هذه بعض التأملات السريعة حول عقد وضع شروطه رسول الله (ص)، ووعد من يلتزم بهذه الشروط أن يدخل الجنة يوم القيامة.

فقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عبادة بن الصامت أن رسول الله (ص) قال: “اضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضّوا أبصاركم، وكفّوا أيديكم.”

رسالة الإسلام أخلاقية بالأساس

كل من يقرأ القرآن الكريم وسنة النبي (ص) وسيرته يدرك أن تكاليف الإسلام تكاليف أخلاقية، بمعنى أن الإسلام يعوّل على السلوك الإنساني ليضبطه على مقتضى العدل والكرامة والحق والأمانة وغير ذلك من القيم الأخلاقية الإيجابية.

فرسالة الإسلام إذن رسالة عنوانها الأكبر: هو تزكية النفس على أساس التوحيد، أي إصلاح النفس وتطويرها وتنمية قدراتها، أو بمعنى آخر تهذيب السلوك الفردي وتطوير القدرات الذاتية من أجل عمران الأرض.

ولذلك فقد لخص النبي (ص) الغاية من بعثته المباركة إلى الناس كافة في عبارة واحدة: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.” ففي الحديث عند مالك في الموطأ وأحمد في المسند وغيرهما: “إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق”، وفي رواية أخرى عند البيهقي في السنن الكبرى: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.”

ينبه النبي (ص)، في الحديث الذي نحن بصدده، إلى أن الجنة ليس لها من سبيل سوى الخلق الكريم، وأن هناك ستة شروط أو بنود كفيلة لمن يلتزم بها أن يضمن الجنة، وهذه الستة هي: الصدق، والوفاء بالعهد، والأمانة، واحترام آداب العلاقة بين النساء والرجال، وعدم العدوان على الآخرين.

حين نتأمل ونبحث عن القاسم المشترك أو العلاقة بين هذه البنود الستة (الصدق والوفاء بالعهد والأمانة وحماية العلاقة بين الرجل والمرأة وعدم إيذاء الآخرين)، يتبين لنا أنه يرسم معالم المجتمع المسلم الذي تتم فيه حماية كرامة الإنسان من كل تعدّ وكل تجنّ من الآخرين، حتى لو كان قلبيا ساكنا، أو بصرا ممدودا، أو لسانا سلاحه الكلمة، أو عملا ميدانيا تزاوله اليد.

وهذا أمر عجيب، لأن النبي (ص) كأنه ينبه إلى أمرين هامين:

  • أولهما أن الفوز بالجنة مرتهن بمدى نجاحنا في شبكة علاقتنا الاجتماعية في الحياة الدنيا.
  • وثانيهما أن ما يوصل إلى السعادة في الحياة الدنيا هو نفسه الذي يؤدي أيضا إلى السعادة في الآخرة.

وقد لخص النبي (ص) الشروط التي تضمن السعادة في الدارين في البنود المذكورة في هذا الحديث: الصدق، والأمانة، والوفاء بالعهود والعقود، وحفظ العلاقة بين الرجل والمرأة، واجتناب إذاية الآخرين.

رسالة الإسلام إذن رسالة أخلاقية: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق.” وهي نفس الرسالة التي بعث بها سائر الأنبياء، فكل رسالات الأنبياء تمحورت حول هذا النظام الأخلاقي في حياة الناس، لأنه عندما تنتظم حياة الناس في نظام أخلاقي يحترم فيه الإنسان الإنسان، ويرحم فيه الإنسان الإنسان، ويعمل على أن يسرّ الناس ويقضي حاجاتهم ويتحمّل مسؤولياتهم، وهذا كله هو الذي يبني الحياة.

ولننظر معا إلى بعض الأحاديث التي تركز على قيمة حسن الخلق. فقد قال (ص): “ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله يبغض الفاحش البذيء.” رواه الترمذي عن أبي الدرداء.

ولما سئل (ص) عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: “تقوى الله وحسن الخلق.” ولما سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار قال: “الفم والفرج.” رواه الترمذي عن أبي هريرة.

وقال (ص): “أنا زعيم لبيت في أعلى الجنة لمن حسّن خلقه.” رواه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي.

وعنه (ص): “ألا أنبئكم بخياركم؟” قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “أحاسنكم أخلاقا، الموطّئون أكنافا، الذين يألفون ويُؤلفون.”

وقال الفضيل بن عياض: “لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحب إليّ من أن يصحبني عابد سيء الخلق.”

وحسن الخلق يرفع صاحبه في الدنيا ويرزقه محبة الناس واحترامهم، ويرفع درجته في الآخرة ويثقل ميزان عمله الصالح، كما جاء في رواية صححها الألباني: “ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق، وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة.”

تعريف حسن الخلق

لقد لخص بعض الصحابة والتابعين والعلماء حسن الخلق في كلمات. فقال علي بن أبي طالب: “حسن الخلق في ثلاث خصال: اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال.” وقال عبد الله بن المبارك: “هو بسط الوجه وبذل المعروف وكف الأذى.” وقال أحمد بن حنبل: “حسن الخلق ألا تغضب ولا تحقد.” وقال الإمام سفيان بن عيينة: “والبشاشة مصيدة المودة، والبر شيء هيّن: وجه طليق وكلام لين.”

قيمة الأخلاق في عالم مليء بالحقد والعداوة والبغضاء

من الضروري أن نولي موضوع حسن الخلق جانبا كبيرا من اهتمامنا، نحن مسلمين، خصوصا ونحن نعيش في عالم مليء بالحقد والعداوة والبغضاء من حولنا. ولذلك فعلينا أن ننطلق من خلال القيمة الأساسية للإسلام، التي هي مكارم الأخلاق، لتسري فيما بيننا المحبة والرحمة والتكافل والتواصل والتضامن في كل قضايانا العامة والخاصة، سواء اختلفنا في المذاهب الإسلامية أو في الانتماءات أو الجنسيات، لأن الإسلام يريد منا أن نبني مجتمعا يتحرك فيه الإنسان على أساس العدل والسلام، وقد اختصر الله تعالى طريق النجاح فقال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

هذا هو الخط الذي يجب أن نأخذ به في أنفسنا وأهلنا ومجتمعنا والناس من حولنا، وبذلك نقتدي برسول الله (ص) الذي هو أسوتنا وقدوتنا.

من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم

كان من دعاء النبي (ص) فيما رواه مسلم عن علي بن أبي طالب أن يقول: “اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت.”

ومن دعائه أيضا فيما رواه أحمد: “اللهم إني أسألك صحة إيمان، وإيمانا في خلق حسن، ونجاحا يتبعه فلاح، ورحمة منك وعافية، ومغفرة منك ورضوانا.”