في الحديث النبوي: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت”..
حديث يعكس رؤية شاملة تربط الأخلاق بالسلوك البشري، مستندًا إلى قاعدة متأصلة ومشتركة في مختلف الرسالات السماوية.
“مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى”.. يُشير النبي (ص) إلى أن هذه العبارة ليست مجرد توجيه إسلامي خاص، بل هي قاعدة أخلاقية قديمة عرفتها البشرية عبر تعاليم الأنبياء السابقين.
والمقصود بالنبوة الأولى هنا هو الرسالات السماوية التي سبقت الإسلام، كرسالة نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم السلام. وهذه الرسالات، وإن اختلفت في بعض تفاصيلها التشريعية، إلا أنها اتفقت في جوهر القيم الأخلاقية التي تحفظ توازن المجتمعات، وكان الحياء من أبرز تلك القيم.
الحياء قيمة إنسانية كبرى تنبع من الفطرة السليمة التي فُطر عليها الإنسان. وهو ليس مجرد شعور عابر بالخجل، وإنما هو إحساس داخلي عميق يجعل الإنسان يستشعر مسؤولية أفعاله أمام نفسه وأمام الآخرين. ولهذا السبب، جاء التأكيد على أن الحياء هو أحد المعايير الأخلاقية الأساسية التي يستحيل قيام مجتمع سويّ بدونها.
“إذا لم تستح فاصنع ما شئت”.. العبارة قد تُفهم في ظاهرها كإباحة مطلقة للفعل، لكنها في الحقيقة تحمل معنى تحذيريًّا.. فالجملة هنا لا تدعو إلى التصرف وفق الهوى، بل تشير إلى أن غياب الحياء يؤدي حتمًا إلى سقوط الإنسان في الفساد الأخلاقي، لأن الحياء هو الحاجز الطبيعي الذي يردع الفرد عن السلوكيات المنحرفة.
بهذا المعنى، يُصبح الحياء بمثابة جهاز إنذار داخلي يمنع الإنسان من تجاوز الحدود الأخلاقية، سواء في تصرفاته الظاهرة أو في أفكاره ونواياه الخفية. وإذا افتقد الإنسان هذا الضابط، فقد ترك نفسه عرضةً للتصرفات غير المسؤولة، حيث يصبح سلوكه منساقًا خلف شهواته وأهوائه دون رادع داخلي.
الحديث إذن يُبرز بوضوح أن الحياء ليس مجرد قيمة اجتماعية ترتبط بالعرف والتقاليد، بل هو ركن أساسي في بناء شخصية الفرد وضبط تصرفاته، وهو ما ينسجم مع فلسفة الأخلاق في الفكر الإنساني. فالفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، على سبيل المثال، تحدث عن مفهوم “الواجب الأخلاقي” الذي ينبع من احترام الإنسان لذاته وللمجتمع من حوله، وهذا يلتقي بشكل كبير مع مفهوم الحياء الذي يجعل الإنسان يمتنع عن السلوكيات التي تخدش قيمه أو تضر بالآخرين.
ومن زاوية أخرى، فإن الحديث يعكس فكرة مركزية في التربية الأخلاقية، وهي أن الإنسان لا يمكن ضبط سلوكه من خلال القوانين الخارجية وحدها، بل يحتاج إلى رقيب داخلي يوجهه إلى فعل الصواب حتى في غياب الرقيب الاجتماعي أو القانوني. وهذا الرقيب هو الحياء الذي يتجاوز حدود الخوف من العقاب ليصل إلى مستوى أعلى من الوعي الأخلاقي والإنساني.
إذن، حديث النبي (ص) يؤكد على أن الحياء هو حجر الزاوية في البناء الأخلاقي للإنسان، وأن فقدانه يُعد مؤشراً خطيراً على انحراف السلوك وانهيار القيم. وحين يغيب الحياء، يفقد الإنسان ذلك الشعور الفطري الذي يدفعه إلى مراعاة الصواب والابتعاد عن الخطأ، وحينها يصبح مستعدًا للقيام بأي فعل دون اعتبار للعواقب..
ولهذا، فالحديث هو تحذير شديد اللهجة من العواقب الوخيمة التي تترتب على غياب الحياء في حياة الإنسان والمجتمع.
من ناحية أخرى، على الرغم من أن الحياء يُعد جزءًا من الفطرة الإنسانية، إلا أنه ليس ثابتًا أو محصورًا في الجانب الفطري وحده، بل يمكن تنميته وتطويره من خلال الوعي والتدريب المستمر.
الخطوة الأولى: الفهم الصحيح لمفهوم الحياء
الخطوة الثانية: تقوية الوازع الديني والروحي
ويتطلب تعزيز الحياء أيضًا مراقبة الذات والتأمل في السلوكيات اليومية. فمن المهم أن يعتاد الإنسان على تقييم تصرفاته بانتظام، متسائلًا: هل تصرفي هذا يعكس قيم الحياء؟ وهل يمكنني تحسين سلوكي ليكون أكثر لياقة واحترامًا؟ إن تخصيص وقت لمراجعة التصرفات اليومية يساعد في تعزيز الوعي الأخلاقي، ويجعل الفرد أكثر يقظة تجاه ما يصدر منه.