في كلّ مرة ننبّه إلى تدهور الأوضاع، يخرج من يقول إن “الاقتصاد يتعافى” وإن “السلطة نزيهة ومحبوبة من الشعب”.
لكن السؤال الأهمّ الذي يهرب منه الجميع هو: ما معنى النجاح؟ هل هو في الخطاب، أم في النتائج؟ هل يُقاس الحكم بالنوايا أم بما يعيشه الناس في واقعهم؟
كررت عدة مرات أن من يعيش في الخارج، مثلي، يرى الأرقام نفسها التي يراها من في الداخل: تقارير دولية، إحصائيات رسمية، أخبار يومية. البعد عن البلد لا يلغي حقّ المواطن في إبداء رأيه، بل أحيانًا يعطي مسافة أهدأ للنظر للصورة كاملة.
و كوني خارج تونس لا يسقط عنّي مواطنتي، ولا يلغي حقي في القلق على مستقبل بلدي.
الواقع لا يُقاس بعدد الكيلومترات، بل بما تقوله المعطيات: نسبة نمو، بطالة، تضخّم، دَين، وحريات. هذه الأرقام لا تحتاج “إقامة دائمة” حتى تُقرأ وتُفهم.
منذ 2021، لم يتحسّن شيء فعليّ في حياة التونسيين.
النمو الاقتصادي في حدود 1.5٪ — بالكاد يمنع الانهيار.
التضخّم تجاوز 8٪ في بعض الأشهر، والأسعار تبتلع الأجور.
الدَّين العمومي بلغ مستويات غير مسبوقة، والبطالة مستقرّة فوق 16٪، بل تتجاوز 35٪ بين الشباب.
هذا ليس “تعافيًا”، بل تأجيلٌ للانهيار دون حلول هيكلية.
من يقول إن الاقتصاد “يتعافى” مدعوّ أن يجاوب التونسيين على أسئلة بسيطة: هل تراجعت الأسعار؟ هل تحسّنت فرص العمل؟ هل خرجنا من دائرة الدَّين والعجز؟
إذا كانت الأرقام الرسمية نفسها تعترف بنمو ضعيف، وبطالة مرتفعة، وتضخّم أكل الأجور والمدّخرات، فعن أيّ تعافٍ نتكلّم
ما هي معايير جودة الحياة الحقيقية؟
جزء من المشكلة أنّ كثيرين يعيشون داخل تونس، ولم يروا عن قُرب كيف تعيش شعوب أخرى، ثم يقيسون وضعنا على قاعدة: “الحمد لله، ما زلنا أفضل من بعض البلدان المنهارة”.
لكن السؤال ليس: هل نحن أسوأ بلد في العالم أم لا؟
السؤال الحقيقي: هل تونس في المستوى الذي تستحقه، قياسًا بإمكاناتها وتاريخها ومستوى تعليم أبنائها؟
من يخرج قليلًا إلى العالم يرى أنّ ما نعتبره نحن “مقبولًا” هو في الحقيقة مستوى متدنٍّ جدًّا إذا قورن بدول نجحت في تحسين جودة حياة مواطنيها خلال عقود قليلة.
نحن لا نريد للتونسي أن يعيش “الكفاف الكفاف”، وأن يكتفي بأن لا يجوع ولا يُعتقَل، بل نريد أن ترتقي الدولة إلى درجات عليا في معايير جودة الحياة كما تقيسها المؤشرات الدولية الجديّة، مثلًا:
-
الدخل الفردي الحقيقي: ليس فقط الأجر الاسمي، بل ما يمكن أن يشتريه المواطن فعليًا بعد احتساب الأسعار والضرائب.
-
جودة الخدمات الصحية: سهولة الوصول إلى العلاج، مستوى المستشفيات، كرامة المريض، زمن الانتظار، وتوفّر الأدوية.
-
نوعية التعليم: مناهج حديثة، تكوين لغوي وعلمي حقيقي، كفاءات تخرج قادرة على العمل في العصر الرقمي، لا على البطالة المزمنة.
-
البنية التحتية والخدمات: نقل عمومي محترم، طرقات وموانئ وشبكات رقمية وكهرباء وماء صالحة للعيش الكريم والاستثمار الجادّ.
-
العدالة وتكافؤ الفرص: أن لا يُحكم على مصيرك بسبب الجهة أو العائلة، بل بسبب كفاءتك وقدرتك على العمل والابتكار.
-
الحرّيات وسيادة القانون: أن يشعر المواطن أنّ كرامته محفوظة، وأن القضاء يحميه من تعسّف السلطة لا أن يتحوّل إلى أداة في يدها.
العالم اليوم لا يقيس نجاح الدول بقدرتها على منع المجاعة فقط، بل بمدى ازدهار الإنسان فيها: في عمله، في صحته، في تعليمه، في حريته، وفي أمله في المستقبل.
وأيّ نظام يطلب من الناس الاكتفاء بالبقاء على قيد الحياة، بدل المطالبة بحياة كريمة بمعايير عالمية، هو نظام يدعوهم عمليًا إلى التخلّي عن طموحهم التاريخي.
الاستقرار الحقيقي لا يُبنى على الصمت
يقال لنا: لا تنتقدوا، فالنقد يضعف الدولة ويهدّد الاستقرار.
لكن من قال إنّ الاستقرار يُبنى على الخوف؟
الهدوء الذي يقوم على الصمت الخائف ليس سلامًا، بل ركود سياسي وأخلاقي.
الاستقرار الحقيقي لا يكون إلا بدولة قانون، ومؤسسات متوازنة، ومجتمع قادر على المحاسبة.
أما تحويل كل نقد إلى “تهديد للوطن”، فهو بالضبط ما فعلته الأنظمة التي دمّرت أوطانها ثم ادّعت حمايتها.
النزاهة الشخصية لا تكفي لحكم دولة
قد يكون الحاكم نزيهًا في ذاته، لكن النزاهة الأخلاقية لا تكفي لحكم دولة.
النزاهة من دون كفاءة تصبح عجزًا مغلَّفًا بالخطابة.
وما يعيشه المواطن اليوم — من غلاءٍ، نقصٍ في المواد، بطالةٍ، وانكماشٍ في الحريات — هو نتاج سياسات فاشلة، لا مؤامرات خارجية ولا “مافيات” متخيّلة.
النظام الذي يحتكر القرار ثم يبرّر الفشل بأن الآخرين عرقلوه، يعترف ضمنًا بعجزه.. والنظام الذي يعتبر نفسه “المنقذ” الوحيد، يزرع بذور الاستبداد مهما كانت شعاراته وطنية.
قراءة التقارير الدولية كاملة
يُستشهد كثيرًا بتقارير المؤسسات الدولية للدفاع عن السلطة.
لكن من يقرأها كاملة يجد فيها جملة واحدة تتكرّر:
أن التعافي — إن وُجد — هشّ، وفي ظروف شديدة الصعوبة.
أي أن تونس تحاول فقط تجنّب الغرق، لا أنها تبحر نحو النمو.
الاقتصاد الذي يعيش على طباعة النقود، وعلى المساعدات والقروض الداخلية والخارجية، لا يُقال عنه إنه “يتعافى”، بل إنه يُسعَف مؤقتًا.
حب الوطن لا يعني تمجيد الحاكم
من السهل أن يحبّ الناس شخصًا يتحدث بلغتهم، أو يرفع شعارات “السيادة” و”النظافة”، لكن الدولة ليست خطبة، والوطن لا يُختزل في شخص.
حبّ تونس لا يكون في تمجيد الحاكم، بل في حماية الدولة من كل حاكم إذا تجاوز حدوده.
الوطنية الحقيقية اليوم هي جرأة السؤال:
لماذا بعد أربع سنوات من الحكم الفردي، لم يتحسّن شيء جوهري في حياة الناس؟
ولماذا تُلاحَق الأصوات الناقدة بدل أن تُسمع وتُناقش؟
—-
لسنا دعاة فوضى ولا حنينًا لماضٍ فاسد، بل دعاة عقل وميزان وعدالة في التقييم.
والتوانسة يستحقون أفضل من هذا الواقع البائس والتعيس.. أنا على الأقل مرتاح في كندا منذ 27 سنة ومستقر ماديا واجتماعيا ونفسيا، وجودة حياة.. ولكن يسوؤني جدا ما أراه من تردي أوضاع قد لا يشاهدها من هم في الداخل بحكم “التعوّد” على الرداءة..
وهذه فرصة لأنقل لكم شهادات كنديين وكيبيكيين أصدقاء.. سألونا عدة مرات عن السياحة في تونس.. وشجعناهم على زيارة تونس واقترحنا عليهم عدة أماكن وجولات.. وزاروا تونس بناء على توصيتنا.. وأُقسم أنهم عادوا لكندا وحدثونا عن “أسوأ تجربة سياحة” قاموا بها، وأنهم لن يعودوا لتونس مجددا، ويفضلون الذهاب لدول عربية وافريقية اخرى مثل المغرب وغيرها..
أنتم توانسة الداخل تعودتم على الرداءة، ولم تعودوا تشعرون بها.. ومن ما زال يمدح الوضع الداخلي هو حتما مخدّر ذهنيا ونفسيا كي لا يسعى للتمرد على الواقع، والسعي لتغييره نحو الأفضل.،