إعادة صياغة لحوار قصير دار بيني وبين د. بلال زرينة (وهو صاحب الفكرة الأصلية).
في سورة غافر (مكية): ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا * وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾.
بعض الفقهاء والمفسرين يذكرون هذه الآية من الفترة المكية كدليل على وجود عذاب القبر. غير أن روايات حديثية صحيحة تثبت أن معتقد “عذاب القبر” لم يكن يقول به النبي (ص) ولا الصحابة في العهد المكي، وإنما حصل هذا لفترة ما، بعد الهجرة النبوية.
شهادة ابن كثير
يقول ابن كثير في تفسيره لهذه الآية:
((فإن أرواحهم تُعرَض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة، فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار؛ ولهذا قال: (ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) أي: أشده ألما وأعظمه نكالا. وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور؛ وهي قوله: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا). ولكن ها هنا سؤال: وهو أنه لا شك أنّ هذه الآية مكيّة، وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هاشم - هو ابن القاسم أبو النضر - حدثنا إسحاق بن سعيد - هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص - حدثنا سعيد - يعني أباه - عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر. قالت: فدخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليّ فقلت: يا رسول الله، هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة؟ قال: “لا وعمّ ذلك؟” قالت: هذه اليهودية، لا نصنع إليها شيئا من المعروف إلا قالت: وقاك الله عذاب القبر. قال: “كذبت يهود. وهم على الله أكذب، لا عذاب دون يوم القيامة”. ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه، محمرة عيناه، وهو ينادي بأعلى صوته: “القبر كقطع الليل المظلم - أيها الناس - لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا وضحكتم قليلا - أيها الناس - استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق”. - وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه. وروى أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - قال: سألتها امرأة يهودية فأعطتها، فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر. فأنكرت عائشة ذلك، فلما رأت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت له، فقال: “لا”. قالت عائشة: ثم قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك: “وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم”. وهذا أيضا على شرطهما. فيقال: فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية، وفيها الدليل على عذاب البرزخ؟ والجواب: أن الآية دلت على عرض الأرواح إلى النار غدوا وعشيا في البرزخ، وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور، إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح، فأما حصول ذلك للجسد وتألمه بسببه فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها. وقد يقال: إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ، ولا يلزم من ذلك أن يتصل بالأجساد في قبورها، فلما أوحي إليه في ذلك بخصوصيته استعاذ منه، والله سبحانه وتعالى أعلم. وقد روى البخاري من حديث شعبة، عن أشعث بن أبي الشعثاء، عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة - رضي الله عنها - أن يهودية دخلت عليها فقالت: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن عذاب القبر؟ فقال: “نعم عذاب القبر حق”. قالت عائشة: فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر. فهذا يدل على أنه بادر إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر، وقرر عليه. وفي الأخبار المتقدمة: أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي، فلعلهما قضيتان، والله أعلم، وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا.))
- انتهى كلام ابن كثير.
استنتاجات وتأملات
1- بحسب مسند أحمد وصحيح البخاري؛ لم يعرف النبي والمسلمون أن هناك عذاب قبر إلا بعد الهجرة إلى المدينة. وهذا يعني أن المسلمين مكثوا 13 عاما من عمر الدعوة المكية وجزءا من المرحلة المدنية لا يعرفون شيئا عن (عقيدة عذاب القبر).
2- ورواية أحمد تقول: إن النبي نفى بشدة أنه يوجد هناك عذاب قبر ((كذبت يهود، وهم على الله أكذَبُ، لا عذاب دون يوم القيامة))، ثم عاد فأكد أن هناك عذاب قبر.
3- ورواية البخاري تقول: إن عائشة سمعت من اليهودية - في المدينة - أن هناك عذاب قبر، ولم تكن تعرف عن هذا قبل ذلك، وأكّد لها النبي بعدها أنه يوجد عذاب قبر.
4- وتوجد رواية حديثية أخرى توحي بحصول تطور في معرفة النبي (ص) حول الموضوع. فعن نفس الراوي (سعيد بن عمرو بن العاص) عَن عائشةَ، أنَّ يَهوديَّةً كانَت تخدمُها، فلا تَصنَعُ عائشةُ إليها شيئًا منَ المَعروفِ إلَّا قالَت لَها اليَهوديَّةُ: وقاكِ اللَّهُ عذابَ القبرِ. قالَت: فقلتُ يا رسولَ اللَّهِ، هل للقبرِ عذابٌ؟ قالَ: كذَبَت يَهودُ، لا عذابَ دونَ يومِ القيامةِ. ثمَّ مَكَثَ بعدَ ذلكَ ما شاءَ اللَّهُ أن يمكُثَ، فخرجَ ذاتَ يومٍ نصفَ النَّهارِ وَهوَ يُنادي بأعلى صوتِهِ: أيُّها النَّاسُ، استَعيذوا باللَّهِ مِن عذابِ القبرِ، فإنَّ عذابَ القبرِ حقٌّ. المحدث: ابن حجر العسقلاني | المصدر: فتح الباري لابن حجر (والرواية صحيحة على شرط البخاري).
5- السؤال التالي يطرح نفسه: هل من ضرورة لأن يكون “عذاب القبر” معروفا في العهد المكي؟ لأنه ربما لم يطرح الأمر لأن نظام القبور لم يكن معروفا في العهد المكي.
وهذا دليل على أن اعتقاد “عذاب القبر” ليس اعتقادا أساسيا في الدين. فالنبي (ص) لم يكن يعلم هذا، وعائشة أيضا. ولعل شهداء بدر ماتوا وهم لا يعرفون أن هناك عذاب أو نعيم في القبر. وهذا يبين خطأ أهل السنّة في اعتبار آية سورة غافر دليلا على عذاب القبر.
6- من ناحية أخرى، هذا النقل يحيل لموضوع أكثر أهمية بالنسبة إلي: هل توجد معتقدات إسلامية شهدت تطورا تاريخيا، مثلما حصل الأمر مع الأحكام والشعائر، كالميراث والصدقة والصلاة والصيام؟
7- قناعتي الذاتية أن كثيرا من المعتقدات الدينية هي من التفاصيل التي لا يضير فيها أن نؤمن بها أو لا نؤمن بها، أو نخطئ الفهم فيها. هي معتقدات لا تغير من رؤية المتدين للحياة والعالم والكون، ولا تحدث أثرا في سلوكياته اليومية. وهذا هام جدا في تضييق دائرة الخلاف العقائدي المؤدي للتكفير والتخوين والتضليل.