هذا الصباح، وفي نفس التوقيت تقريباـ تلقيت رسالتين خاصتين في نفس الموضوع. أجيب عليهما هنا.. رسالة أولى تقول: “أشعر أنني في واد وحدي، في الأمور الدينية. لست مقتنعة لا بصلاة ولا بصوم ولا بفتوحات، ولا بدعوة ولا بشريعة. أشعر بغربة مع من حولي، ولا أحد قادر يقنعني، ويكفّرونني أحيانا، ولا أعرف ماذا أفعل. هل لك أن تساعدني؟”

ورسالة ثانية تقول (تعليقا على موضوع خطاب المؤمنين في الصيام وصلاة الجمعة): “رجاءً لا تنشر مثل هذه السؤالات دون إجابة على الصفحات العمومية، فإنها تمثل شبهات وعلامات تشكيك وريبة لدى ضعاف الإيمان وما أكثرهم في هذا الزمان. وأنا والله كل يوم يأتيني شك أكاد أمسي مسلما وأصبح كافرا لولا رحمة الله وعونه على نفسي والشيطان. فأنت ما شاء الله من أهل العلم والخير، وأعلم أنك تدعو الناس للتفكر وإعمال العقل. لكن سبحان الله هناك من يقف عند السؤال والتشكيك، ويمكن أن يؤدي به الأمر إلى الإلحاد والعياذ بالله، وجازاك الله خيرا.”

في التعليقات يوم أمس أيضا، كتب أحدهم ما ملخصه: “هذه دعوى فارغة أوحاها إبليس لأوليائه ليعتذروا بها لأنفسهم عن تهاونهم لا غير.. والمسلمون مهما قصروا في جنب الله فإنهم يعتقدون أن عبادة ربهم في أعلى هرم التكاليف الإلهية لذلك يشعرون بالذنب.. أما المنافقون فإنهم لا تعنيهم العبادة ولا يشعرون بأهميتها حتى وإن أدوها على وجهها في الظاهر.. أسأل الله أن يردك إلى دينه ردا جميلا.”

هذه التفاعلات الثلاث، تعبر عن حقيقة ما يؤدي إليه نقاش المسلمات الدينية، في غالب الأحيان. فهناك من يلومني على طرح التساؤلات، خوفا منها.. وهناك من يُدينني على طرح التساؤلات متّهما ومشكّكا في إيماني.. وهناك من يتجاوب مع تساؤلاتي، ولكن يصاب بالشك والحيرة.. كتبت عدة مرات في الماضي، أن الناس ليسوا سواسية في ميولاتهم وطبائعهم ونوعية المنطق الذي يميلون إليه في التفكير.. فهناك من يتأثر بالجانب العاطفي والوجداني، وهناك من يتأثر أكثر بالنظر العقلي، وآخر يتأثر بالمنهج العلمي أكثر، إلخ. فالناس تختلف طرائق تفكيرهم، وبالتالي تختلف مفاتيح قلوبهم.

آراء الإنسان ومعتقداته لا تتكون من خلال منطق وحيد، أو من خلال منطق واحد يتشارك فيه جميع الناس. معتقدات الإنسان وآراؤه تتكون من خمسة أنواع من المنطق مجتمعة لديه، في نفس الوقت: المنطق العقلاني، والمنطق الوجداني، والمنطق الأسطوري، والمنطق البيولوجي، والمنطق الجماعي. (Logique rationnelle, logique émotionnelle, logique biologique, logique mystique, logique collective) وما يختلف فيه شخص عن شخص آخر هو درجة الميل إلى نوع معين من المنطق على حساب الأنواع الأخرى. فمن البشر من يغلّب العقل على العاطفة، ومنهم من يغلّب العاطفة على الجانب الخرافي، إلخ.. ومنهم من يبحث كثيرا عن الدليل المنطقي الكامل، ومنهم من يكتفي بالخلاصات، أو يكتفي بما يدركه عن طريق الحدس.. هذا الاختلاف في طرق التفكير ينطبق على كل القضايا الاجتماعية والفكرية والسياسية.. وينطبق أيضا على فهم الدين.

فمن الناس من لا يقتنع إلا بأسلوب فلسفي، ومنهم من يتأثر بالجانب العلمي، إلخ. ولذلك فلا يمكن إطلاق الحكم بالنهي عن الدراسة الفلسفية للدين، لأنها في واقع شريحة بشرية كبيرة تمثل المدخل الوحيد للاقتناع بالدين، وإلا فسترفضه. والإسلام رسالة هداية للبشرية جمعاء دون استثناء. ولذلك فمن الضروري الاهتمام بمثل هذه الدراسة حتى نستجيب لتساؤلات التي تطرح على الدين من هذا الباب. وهذا التنوع ضروري حتى يذعن كل شخص للإسلام بالطريقة التي تناسب نضجه العقلي والعاطفي والدرجة الملائمة لما توصل إليه من علم وخبرات وتجارب.

وقد لا يستوعب المسلم الذي يعيش في بلاد مسلمة هذا الأمر الذي أتحدث عنه، بنفس الدرجة التي يلاحظها المسلم الذي يعيش في بلاد غير مسلمة. فنحن هنا في كندا، مثلا، نرى أعدادا من الكنديين يهتدون للإسلام، غير أننا نندهش لاختلاف تجاربهم وقصصهم في التعرف على الإسلام والدخول إليه.

فمنهم من اهتدى بمجرد القراءة الوجدانية للقرآن التي جعلته يتأثر ويبكي لمجرد قراءة بعض السور المحددة أو الآيات المحددة فيه. ومنهم من تأثر في قراءته للقرآن بالجانب المنطقي والفلسفي فيه (أي: المفاهيم المتعلقة بوجود الله، والأخلاق، والحق والخير والجمال، والسعادة، إلخ). ومنهم من تأثر به لأنه بحث فيه عن جوانب متعلقة بالعلم التجريبي. ومنهم من خاض تجربة زهدية أو صوفية جعلته يشعر بالطمأنينة في الإسلام، إلخ…

وهذا أيضا نراه في تجارب أشخاص مشهورين أيضا. فروجيه جارودي الفيلسوف الفرنسي، وليوبولد فايس (الفيلسوف الألماني الذي سمى نفسه بعد إسلامه: محمد أسد) والسفير الألماني السابق في المغرب د. مراد هوفمان، هؤلاء كانوا عقولا فلسفية لم يكن من السهل إقناعها بالدين والتدين. غير أن عقولهم أذعنت للحق حين قرأت القرآن بمنطق فلسفي. ولو لم ينظروا للقرآن من هذه الزاوية لما أسلموا..

أما د. كيث مور (العالم الكندي الشهير في علوم البيولوجيا)، ود. موريس بوكاي، وكثيرون آخرون، فقد أذعنوا حين درسوا القرآن من خلال مقارنته بالخبرات المتولدة لديهم عن العلوم التجريبية، ولو لم ينظروا للقرآن من هذه الزاوية لما أسلموا..

وقل نفس الشيء عن الأنواع الأخرى من المهتدين للإسلام. ولعل هذا بعض ما تشير إليه الآية القرآنية:

﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (سورة فصلت: 53)

فكل فئة من البشر تحتاج لأدوات إقناع وطرق استدلال من نوع خاص يتوافق مع تركيبتها العقلية والنفسية، وما لم نتعامل معها على هذا الأساس فلن تستجيب ولن تقتنع. ولو خاطبتها بأدوات وأدلة لا تستسيغها لما استجابت لنداء الحق حتى لو كانت تلك الوسائل والأدوات قوية الحجة.

بل نجد حتى بعض التجارب التي أظهرت دخول أفراد إلى الإسلام فقط من خلال المنطق الجماعي، وذلك في عهد النبي (ص). فقد أوردت كتب السيرة أن بعض القبائل أسلمت مباشرة بمجرد إسلام زعيم القبيلة، نظرا لولائها الجماعي للقبيلة. هذا حصل أيضا في عصرنا، حيث نسمع من حين لآخر بدخول بعض القبائل الأفريقية البدائية إلى الإسلام بطريقة جماعية بمجرد حديث بعض الدعاة مع زعمائها.

إذن، فمن الضروري الاهتمام المتوازن بجميع المداخل للتعرف على الإسلام. ومن واجب المسلم الذي يحمل همّ هداية الآخرين لما يرى فيه الخير، وتبليغ رسالة الإسلام، أن يتعرف على مفتاح شخصية كل واحد يتعامل معه، فهذا هو عين الحكمة والمنطق السليم، ولذلك وورد عن أحد الصحابة قوله: أُمِرْنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم (رواه الزرقاني في كتاب مختصر المقاصد) وقال علي بن أبي طالب: خاطبوا القوم بما يفقهون، أتريدون أن يُكذّب الله ورسوله؟

أما عن بلوغ مرتبة الإيمان، وهل يحتاج المؤمن بعد الوصول إليها إلى العودة للدراسة الفلسفية له، فليس هناك أي حرج في ذلك، طالما كان ذلك بهدف إعادة تجديد الإيمان في القلب. وهذا ما يسميه ديكارت (الشك المنهجي). فهو لا يمارس الشك من باب التراجع إلى الوراء، وإنما من باب إعادة التدقيق والمراجعة في الخطوات السابقة، للتأكد من صوابية المسار في مستقبل الأيام. وقد تعرض لذلك إبراهيم عليه السلام، حين قاله لربه (سورة البقرة، 260): وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. فهو في هذه الحالة، طرح تساؤلا علميا تجريبيا ، ليس لأنه شك أو تراجع في إيمانه، وإنما أراد ذلك لمزيد ترسيخ الإيمان وتثبيته.

هذه التحولات عاشها أيضا كثير من العلماء والفلاسفة.. نديم الجسر (أحد علماء لبنان في القرن 19) ذكر في كتابه “قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن” تجربة شبيهة، فقال: “لقد عراني في عهد الشباب، من كُرَب الشك والحيرة، مثلُ الذي عَراك.. وأغراني بالفلسفة مثلُ الذي أغراك.. وأولعني بالجدل والسفسطة مثلُ ما أولعك.. وأوجعني من جمود بعض رجال الدين مثلُ الذي أوجعك.. وقطعني عن البحث والدرس مثلُ الذي قطعك.. حتى صرتُ أقرب إلى الإلحاد مني إلى الإيمان.. وما زال سوء الطالع يدفعني في ظلمات الحيرة، حتى أوقفني، في عبادة ربي، على حَرْفٍ بين الإيمان الموروث والقنوط من رحمة الله.. ودارت بي الأيام.. فقرأتُ من الفلسفة ما شاء الله أن أقرأ.. وقرأت من القرآن ما شاء الله أن أقرأ.. ورجعت في التوفيق بين الدين والعلم إلى تحكيم العقل.. وخرجت من هذا الجهد الطويل، بعد عشر سنوات، إلى الهدى واليقين.. وفُتِحت عليّ أبواب الرحمة حتى رضيتُ.. أما الهدى واليقين فقد بلغتهما: 1- بالموازنة بين كلام الكثرة العظمى من أكابر الفلاسفة القائلين بوجود الله، وكلام القلة من الضعفاء الشكاك، 2- وبالمقارنة بين أدلة الفلاسفة وأدلة القرآن، 3- وبجمع كل ما جاء في القرآن من آيات الخلق والتكوين الدالة على الله، 4- وتدبر هذه الآيات على ضوء الحقائق القاطعة التي أثبتها العلم، حتى استنار قلبي فرأيت الله فيه..”

ورينيه ديكارت له مقولة شهيرة “الشك طريق إلى اليقين”..

وآسف على هذه المقدمة الطويلة لجواب الرسالتين.

بالنسبة للرسالة الأولى: شخصيا، لا أرى أي حرج في شك المؤمن حول الصلاة والصيام والشعائر التعبدية، والفتوحات.. طالما:

  • أن الفرد محتفظ بإيمانه في القضايا الكلية: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح.
  • أن الفرد محتفظ بجملة من الثوابت الأخلاقية التي لا يتخلى عنها، باعتبار أن الأخلاق غير متعلقة بالضرورة بدين من الأديان.
  • أن الفرد محتفظ لنفسه بيقظة فكرية، وحرص مستمر على البحث.. ففي هذه الحالة، لا يوجد أي عيب في أن يؤمن الإنسان إيمانا موروثا، ثم يتوقف لبضعة أيام أو بضعة أشهر أو بضعة أعوام كي يعيد ترتيب معتقداته ويكتشف ما يرغب في الإيمان به وما يرغب في التخلي كمعتقد.

شخصيا، اعتقادي الراسخ أن الشك في الأمور المتعلقة بالصلاة والصيام والشعائر التعبدية، أو الشريعة، أو قراءة التاريخ والسيرة والفتوحات.. كل هذا لا يخرج صاحبه من دائرة الإيمان والإسلام.

والشك الديني لا بد أن يحدث نوعا من الخوف والقلق والإرهاق النفسي.. وهو طبيعي. فالموروث له سلطة نفسية كبيرة على الناس.. ومقاومة الموروث تؤدي بصاحبها في البداية إلى حالة نفسية صعبة (مش ساهل أن يتخلى الفرد على معتقدات عاش عليها يقينيتها لمدة سنوات طويلة)، بسبب الخوف من نظرة الناس وآراء الناس، وبسبب الخوف من “ضياع الإيمان”.. وتؤدي في مرحلة ثانية إلى مواجهة مع الناس.. وفي بعض الأحيان تحصل المواجهة مع أشحاص عنيفين، لا يؤمنون بحرية الاعتقاد التفكير.. فيقومون بنوع الهرلسة النفسية والتخويف لدفع الشخص غلى التراجع عن تساؤلاته.. وهذا النوع من الأشخاص لا ينفع الحوار معهم..

بالنسبة إليّ، الرافض للموروث بحثا عن الحق، أفضل وأقرب إلى الله من المؤمن بالموروث والمتكاسل عن البحث.

الإيمان مسألة شخصية، وحرية فردية، ولا يمكنها أن تخضع لرغبات الآخرين أو تتراجع أمام اتهامات الآخرين. وهو امتحان فردي، لكل شخص حرية أن يجيب عنه بما يراه صالحا لنفسه. لذلك، فاتهامات التكفير يجب ألا تؤثر على حرية الفرد في اعتقاد ما يراه (بإخلاص) صوابا.

في حالتي مثلا، أراجع منذ سنوات طويلة معتقداتي الشخصية، ولم أفرّط ولو ليوم واحد في حقي في التفكير الحر، وحقي في البحث والمقارنة، وحقي في الاتفاق مع أشخاص، وحق في الاختلاف مع آخرين، وحقي في إبداء أفكار أراها جديدة وربما غير مسبوقة. علاقتي بالله شخصية وحميمة، ولا أسمح لأحد بأن يتدخل كواسطة (بحجة أنه أفقه أو أعلم، أو بحجة حصول إجماع، إلخ) ليفرض عليّ كيف أراها، وكيف أمارسها، وكيف أراجعها، وكيف أعيد اكتشافها.

وقد لا تكون تجربتي صالحة لكل الأشخاص.. وحين أكتب على الفايسبوك أو غيره، لستُ بصدد إقناع من يقرأ بصوابية منهجيتي أو طريقتي.. أنا أعبر فقط عن رأيي وقناعتي، والقارئ حر في أخذ ما يصلح له، ورفض ما لا يصلح له (كلٌّ يؤخذ من كلامه ويُترك). وهذا هو جوابي على الرسالة الثانية..

لا أكتب لإقناع الآخرين أو لتشكيكهم.. أكتب فقط لحاجتي للكتابة والتعبير بصوت عال. والمتلقي يتحمل مسؤولية فهم ما أريد التعبير عنه.

وإن رأى أحدكم أن كلامي يؤدي لزعزعة إيمانه (ولا أدري أي إيمان يقصده)، فهو حر في عدم القراءة كي يحمي إيمانه. ولكنه لا يملك حق أن يمنعني من الكلام والكتابة بحجة أنه يخاف من كلامي..

الكتابة أو عدم الكتابة تمثل حريتي الشخصية، ولا دخل لك فيها.. والقراءة أو عدم القراءة تمثل حريتك الشخصية، ولا دخل لي فيها..