دراسة فقهية مفيدة في قضية غير مفهومة جيدا في واقعنا..

هل الكلاب طاهرة أم نجسة؟!

بقلم: عصام تليمة سؤال يتكرر كثيرا، وبخاصة ممن يعيشون في بلاد الغرب، أو البلاد التي يكثر فيه اقتناء أهلها الكلاب، وهو: هل لمس شعر الكلب، أو إذا لعق ثيابنا أو أجسادنا، هل ينتقض وضوءنا أم لا؟ وهل الكلب في حد ذاته طاهر أم نجس؟ وبحكم البيئات التي كثر فيها استخدام الكلاب يكثر السؤال، سواء في بلاد الغرب أو العرب. بداية لم يرد نص صحيح صريح في نجاسة الكلب، ولكن ما ورد من نصوص فهو في ولوغ الكلب في إناء فيه ماء، وقد بنى كل فقيه بعد ذلك موقفه من لعاب الكلب ونجاسته، بناء على ما فهمه من هذا النص، ولذا فرق الفقهاء بين جسد الكلب وشعره، وبين فمه ولعابه، والحديث الذي ورد فيه شأن الكلب هو قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبع مرات” وفي بعض رواياته: “أولاهن بالتراب”. فمن الفقهاء من فهم من هذا النص النبوي الشريف أن سؤر الكلب، أي: ما يتركه الكلب بعد شربه في الإناء، أنه نجس، وأن النجاسة ناتجة عن نجاسة فم الكلب، فهما من هذا النص النبوي، وهو ما أثار نقاشا فقهيا مهما في شأنه، وقد اختلف الفقهاء بداية في شعر الكلب، وكثير من الفقهاء على طهارته، حيث لم يرد فيه نص صريح، وهو ما يتعرض له الكثير من الناس سواء بلمسهم هم للكلب، أو احتكاك الكلب ولمسه لهم في التعامل في الحياة، وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول بطهارة شعر الكلب والخنزير، وبين أنه الراجح. يراجع مجموع فتاوى ابن تيمية (21/617). أما الإمام مالك رحمه الله فقد ذهب إلى طهارة جسد الكلب كله، بما في ذلك فمه، وفهم فقهاء المالكية وغيرهم من هذا الأمر بغسل الإناء سبع مرات، أنه مقصود به الكلب المسعور الذي يعض الناس، وذلك لمرض فيه، فهو في هذه الحالة حامل لمرض وليس لنجاسته، وعللوا ذلك تعليلا مقبولا، فالأمر بغسل الإناء سبع مرات يختلف عن كل أحكام النجاسة، فمعلوم أن أي نجاسة تصيب ثوبا أو غيره يغسل مرة أو على الأكثر ثلاثة، فلماذا كان الأمر في الكلب تحديدا بالمرات السبع، وهي دلالة في العدد تكررت في معظم أحاديث المرض والعلاج، فدعاء الشفاء للمريض سبع مرات، والأمر برقية المسحور سبع مرات، وأمره صلى الله عليه وسلم لمن حوله عندما مرض بالحمى، أن يريقوا عليه من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، وقوله: “من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر” فمن الواضح أن الحديث يتكلم عن حالة مرضية في الكلب، وليست حكما عاما بنجاسته. وفهم الإمام مالك من الحديث أنه أمر تعبدي غير معلل، ينفذه المسلم تعبدا، وذلك بغسل الإناء سبع مرات أولاهن بالتراب، وليس معنى ذلك نجاسة الكلب، واستدل بأمر مهم في ذلك، وهو أن الله عز وجل أجاز للمسلم أن يأكل من الصيد الذي يجلبه له الكلب، المصاحب له في الصيد، وهو الكلب المعلَّم، يقول تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) المائدة: 4. فلو كان فم الكلب نجسا لأمر الشرع بغسل ما يمسكه بفمه لصاحبه بعد صيده، ولم يرد أمر بذلك مطلقا، مما دل على طهارة فمه، وطهارة جسده، وهو الراجح والمستند لأدلة كما ذكره الفقهاء القائلين بذلك بالتفصيل في كتبهم، وهو ما ذكرت مجمله باختصار. يظل حكم اقتناء الكلب نفسه، وهل هو جائز أم محرم، وبخاصة في ظل مستجدات الحياة في الغرب، وقد أصبح اقتناء الكلاب أمرا مألوفا، وأصبحت حاجة الناس للحماية في الحياة الحديثة أمرا ملحا، وهو ما نوضحه في مقالنا القادم إن شاء الله.

يسألونك عن اقتناء الكلاب

انتهينا في مقالنا السابق إلى الأخذ بقول الإمام مالك بطهارة جسد الكلب كله بما في ذلك فمه، وسقنا الأدلة على ذلك، وفاتني حديث أن أذكره مهم في القضية، وهو ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “كانت الكلاب تبول، وتقبل وتدبر في المسجد، في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك”.

وبقيت قضية اقتناء الكلب وتربيته، وهي قضية مختلف فيها بشكل كبير، بين من يمنع ذلك، إلا في حالات محددة، مثل كلاب الصيد والحراسة، وبين من يجيز الاقتناء بوجه عام، وأهم النصوص التي وردت في هذا الموضوع، وبخاصة عند من يحرمون هي هذه الأحاديث: “من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان”، وفي رواية أخرى: “قيراط”، والأحاديث التي تفيد بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، ولا صورة.

أما النصوص التي ذكرت في عدم دخول الملائكة بيتا فيه كلب، فقد اختلف العلماء هنا في أي ملائكة التي لا تدخل البيت الذي فيه كلب، وقال بعضهم: إن ذلك خاص بكلاب المدينة، لأنها مهبط الملائكة بالوحي. انظر: شرح السنة للبغوي (11/212). وقد قال ابن عبد البر: إن الملائكة المقصود بها عدم دخول البيت هو جبريل عليه السلام. انظر: التمهيد (14/221).

أما علة نهيه صلى الله عليه وسلم عن اقتناء الكلاب، وأنها من يقتنيها ينقص من أجره قيراطان، فقال ابن هبيرة عن علة ذلك: (وإنما نهى عن اقتناء الكلب لنجاسته وترويع الضيف والمار) الإفصاح عن معاني الصحاح (4/77). وقال أيضا: (إنما نقص الأجر في اقتناء الكلاب من أجل انتشار النجاسة عنها، وترويع المسلم بها سيما الغرباء من الضيوف والوفود) (4/144).

وقال القاضي عياض المالكي: (وقد أشار بعضهم إلى منع القتل فيما عدا الأسود يدل على جواز اقتنائه وليس نهى وجوب)، وقال عن علة نقص القيراطين: (وبسبب الترويع للمسلمين والأذى لهم يكتسب من الإثم ما ينقص من أجر عمله هذا). انظر: إكمال المعلم (5/245).

وأما الإمام ابن عبد البر المالكي فعلق على حديث نقصان الأجر قيراطين فقال: (وفي هذا الحديث دليل على أن اتخاذ الكلاب ليس بمحرم وإن كان ذلك الاتخاذ لغير الزرع والضرع والصيد لأن قوله من اتخذ كلبا - أو اقتنى كلبا لا يغني عنه زرعا ولا ضرعا ولا اتخذه للصيد نقص من أجره كل يوم قيراط يدل على الإباحة لا على التحريم لأن المحرمات لا يقال فيها من فعل هذا نقص من عمله أو من أجره كذا بل ينهى عنه لئلا يواقع المطيع شيئا منها وإنما يدل ذلك اللفظ على الكراهة لا على التحريم والله أعلم.

وأما نقصان الأجر فإن ذلك - والله أعلم - لما يقع من التفريط في غسل الإناء من ولوغ الكلاب لمن له اتخاذها ومن التقصير عن القيام لما يجب عليه في ذلك من عدد الغسلات وقد يكون لما جاء في الحديث بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب وقد مضى القول في ذلك. وقد يكون في التقصير في الإحسان إلى الكلب لأنه قانع ناظر إلى يد متخذه ففي الإحسان إليه أجر كما قال صلى الله عليه وسلم في كل ذي كبد رطبة أجر وفي الإساءة إليه بتضييقه وزر). انظر: الاستذكار لابن عبد البر (8/495). فابن عبد البر هنا حول النهي عن اقتناء الكلاب، ونقصان أجر الإنسان الذي يقتنيه قيراطا أو قيراطين، وجعل عدم عنايته بالكلب، من حيث نظافته، والإحسان إليه، ورعايته رعاية حسنة، هو سبب نقصان الأجر، وليس مجرد الاقتناء له، ولذا كان رأيه ورأي القاضي عياض المالكي، بجواز اقتناء الكلاب بوجه عام، سواء لحراسة أم لغيرها، لمنفعة أم لغير منفعة.

كما أجاز المذهب الحنفي بيع الكلب وشراءه، وحكموا بضمان قيمته على من أتلفه، وهو أمر معلوم في كل مراجع وكتب المذهب الحنفي، وهو رأي للإمام أبي حنيفة وتبعه في ذلك تلامذته، وما جاز بيعه وشراؤه جاز اقتناؤه وتربيته.

وهذا التأويل لنقص الأجر مقدار قيراطين، بجعله من باب الكراهة التنزيهية، أو المباح، لا نستغربه من الفقهاء، فقد ورد كذلك نصوص نصت على اللعن على أمور، وورد استثناء فيها من العلماء، ونموذج ذلك حديث: “لعن الله النامصة والمتنمصة”، ومع ذلك وجدنا فقهاء قدامى ومعاصرين معتبرين يجيزون للمرأة الأخذ من حاجبها بإذن الزوج.

فمما مضى سنجد الموقف من اقتناء الكلاب يتجه اتجاهين: اتجاه يمنع إلا لصيد أو حراسة، واتجاه يجيز بوجه عام، وهو ما نميل إليه، فلا نجد دليلا يمنع ويصل للتحريم، مع تقديرنا لمن حرموا واتجاههم، وسوف نجد أمرا يثير التعجب ممن يمنعون استدلالا بحديث أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، فقد ذكر الحديث: “ولا صورة”، وسنجد معظم هؤلاء المحرمين في بيوتهم صور، ويظهرون في الفضائيات، وهي صور، فلماذا الفصل بين حرمة اقتناء الكلب، وإجازة اقتناء الصورة بوسائلها المختلفة؟!!

فخلاصة القول: جواز اقتناء الكلاب سواء كان استخدامها للصيد، أو الحراسة، أو لمساعدة الإنسان الكفيف، أو كلاب البوليس، أو للأطفال فقد ورد أن الحسن والحسين رضي الله عنهما كان لهما جرو (كلب صغير)، أو للاستئناس في الحياة، أو بأي غرض آخر من أغراض الحياة المباحة، وقد أجاز الشيخ القرضاوي اقتناء الكلاب لمن يعيش في الغرب وحيدا، والكلب مؤنس له في وحدته. وقد ذكر القرآن نموذجا لكلب كان مرافقا لفتية الكهف. على أن جواز اقتناء الكلاب لا بد له من ضوابط مهمة، وهي:

1ـ ألا يكون في ذلك إسراف فوق قدرة الإنسان على الإنفاق.

2ـ ألا يترتب على ذلك ضرر للآخرين، من الجيران وغيرهم.

3ـ ألا يترتب على ذلك ضرر للحيوان الذي يقتنيه الإنسان، من إهمال، أو إيذاء، أو تعذيب. وهو ما أسهب الإسلام في تشريعه وتوضيحه، سابقا بذلك كل حقوق الحيوان في الحضارات كلها والتشريعات، وهو ما نوضحه في مقالات قادمة إن شاء الله، عن نظرة الإسلام للحيوان وحقوقه، وليس كما يشيع البعض من أن الإسلام يعادي الحيوانات.