حول آيات الصوم، والارتباك القائم في بعض التفاسير والآراء الفقهية..

قناعتي الدينية أنه لا يوجد نسخ في القرآن.. وأحكامه المتغيرة من آية لأخرى تشير إما لنوع من التدرج في الأحكام، أو التكيف مع الواقع المتغير، أو من باب التقييد والتخصيص والاستثناء.. أما وجود نسخٍ بمعنى إبطال نهائي لحكم ما، فلا أعتقد بذلك: لا نسخ تلاوة ولا نسخ حكم.. هذا الرأي قال به عدد من المفسرين والأصوليين والقهاء، من بينهم أبو مسلم الأصفهاني (من مفسري القرن 4 هـ)، والفخر الرازي (شافعي/أشعري من مفسري القرن 6 هـ).. والإمام محمد عبده (المفسر)، ومحمد الخضري بيك (الأصولي)، ود. محمد الغزالي (أستاذ الفقه والدعوة والإرشاد)، ود. عبد المتعالي الجبري، ود. علي جمعه، ود. أحمد حجازي السقا (أستاذ أصول الفقه)

والآيات والأحاديث التي توحي بوجود النسخ، وكذلك الآيات التي حكم بعض المفسرين والفقهاء بنسخ أحكامها، قابلة للتأويل على غير معنى النسخ الذي يقصد به إبطال الحكم نهائيا..

أقول هذا الكلام، لأن له تبعات في آيات الصوم التي قال البعض بحصول النسخ في حكمها..

في سورة البقرة (183-185):

  • يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ..
  • أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ.. فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.. وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ.. فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ.. وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ.. إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ..
  • شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ.. فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.. وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.. يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ..

يتلاعب بعض الفقهاء والدعاة المعاصرين بعقول الناس، من خلال العبث بعبارة “وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ”، والقول بأن المقصود “وعلى الذين لا يطيقونه”.. وان اللغة العربية تحتمل حذف “لا” النافية، مع الاحتفاظ بمعنى النفي، وهي في هذه الحالة تعتبر زائدة.. وهذا كذب وتضليل وتسفيه لعقول الناس يؤدي بالقول إلى العبارة اللغوية يمكن أن تحمل معنًى ونقيضَه في نفس الوقت.. وهذا نوع من العبثية..

والعجيب أن هذا التلاعب لم يقل به المفسرون الأوائل.. فالطبري (الذي يعتبر تقريبا أول مفسر للقرآن) يؤكد أن الحكم كان يخيّر المسلم المقيم بين الصيام والإطعام، وأن هذا القول منقول عن فقهاء الصحابة مثل عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس، وفقهاء التابعين مثل مجاهد وطاوس ومقاتل بن حيان:

يقول الطبري: (( … ثم بيّن (الله) حكم الصيام على ما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فقال: ( فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) أي : المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر، لما في ذلك من المشقة عليهما، بل يفطران ويقضيان بعدة ذلك من أيام أخر.. وأما الصحيح المقيم الذي يطيق الصيام، فقد كان مخيّرا بين الصيام وبين الإطعام، إن شاء صام، وإن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا.. فإن أطعم أكثر من مسكين عن كل يوم، فهو خير، وإن صام فهو أفضل من الإطعام.. قاله ابن مسعود ، وابن عباس ، ومجاهد ، وطاوس ، ومقاتل بن حيان ، وغيرهم من السلف ; ولهذا قال تعالى : (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) )).

ثم أورد الطبري قول أحمد بن حنبل التالي: ((وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة ، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء.. ثم إن الله فرض عليه الصيام ، وأنزل الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ). إلى قوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) فكان من شاء صام ، ومن شاء أطعم مسكينا ، فأجزأ ذلك عنه.. ثم إن الله عز وجل أنزل الآية الأخرى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) إلى قوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح ورخص فيه للمريض والمسافر ، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام ، فهذان حالان ..))

ثم ذكر الطبري خلاف الصحابة في معنى “وعلى الذي يطيقونه” هل نُسِخ الحكم أم لا.. فقال أن عبد الله بن عمر يرى بأن آية “شهر رمضان” نسخت حكم “وعلى الذين يطيقونه”.. بينما عبد الله بن عباس لا يرى أنها نسختها.. ونقل أن فقيه القرن 2 هـ عطاء بن رباح، كان يفطر في رمضان تأويلا لعدم نسخ الحكم..

(( وقوله : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كما قال معاذ : كان في ابتداء الأمر : من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينا . وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال : لما نزلت : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) كان من أراد أن يفطر يفتدي ، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ..

وروي أيضا من حديث عبيد الله عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : هي منسوخة . وقال السدي ، عن مرة ، عن عبد الله ، قال : لما نزلت هذه الآية : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) قال : يقول : ( وعلى الذين يطيقونه ) أي : يتجشمونه ، قال عبد الله : فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ( فمن تطوع ) قال : يقول : أطعم مسكينا آخر ( فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ) فكانوا كذلك حتى نسختها : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه )

وقال البخاري أيضا : حدثنا إسحاق ، أخبرنا روح ، حدثنا زكريا بن إسحاق ، حدثنا عمرو بن دينار ، عن عطاء سمع ابن عباس يقرأ : ” وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ” . قال ابن عباس : ليست منسوخة ، هو للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما ، فيطعمان مكان كل يوم مسكينا . وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، نحوه .

وقال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا عبد الرحيم ، عن أشعث بن سوار ، عن عكرمة ، عن ابن عباس [ قال ] نزلت هذه الآية : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم ثم ضعف ، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينا . وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد ، حدثنا الحسين بن محمد بن بهرام المحرمي ، حدثنا وهب بن بقية ، حدثنا خالد بن عبد الله ، عن ابن أبي ليلى ، قال : دخلت على عطاء في رمضان ، وهو يأكل ، فقال : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية : ( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينا ، ثم نزلت هذه الآية فنسخت الأولى ، إلا الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينا وأفطر . ))