عادة ما ينظر لنظام المواريث القرآني على أن فيه انتقاصا لحق المرأة، وتمييزا للرجل على حساب المرأة للرجل مثل حظ الأنثيين..

وهذا يقتضي الظن بأن السياق الاجتماعي الذي جاء فيه هذا الوحي كان نظام المواريث فيه عادلا، ثم انحط بوضع المرأة ليجعل حقها هو نصف حق الرجل.. ولكن واقع المجتمعات في ذلك هو العكس..

1- الميراث عند اليونان والرومان: اليونان والرومان كانوا يُعْطون التركة لِمَنْ يصلح لرعاية الأسرة وللحروب.. وكان للمورِّث أن يختار قبل موْته من يقوم مقامه في هذه المهمة، سواء أكان من أبنائه أم من أقاربه أم من الأجانب.. وقُبيل ظهور الإسلام، أشرك اليونان والرومان المرأةَ مع الرجل على التساوي في الميراث.

2- الأمم الشرقية: الأمم الشرقية كان الميراث فيها لأرشد الذكور من الأولاد، ثم الإخوة ثم الأعمام، وليس للمرأة نصيبٌ فيه.. والمصريون القدامى كانوا يورِّثون المرأة على التساوي مع الرجل.. واليهود كانوا يخصون الولد الذَّكَر بالميراث ويحرمون الأنثى، وإذا تعدد الأولاد الذكور وَرِثَ أكبرهم فقط.

جاء في سِفر التكوين “إصحاح 21: 15ـ “أن الابن البِكْر له نصيبُ اثنين، فإن لم يكن هناك ذَكَر فالميراث لابن ابنه، وليس لبنته شيءٌ”. ويبدو أن ذلك نُسِخَ، ففي سِفر العدد “إصحاح 27:1-11 “أن بنات صلحفاد بن حافر طالبن موسى والعازار والكاهن أن يكون لهنَّ نصيبٌ في مُلْك أبيهن، فقدَّم موسى دعواهنَّ أمام الرَّبِّ، وانتهى الأمر إلى إعطائهن من الميراث”.

3- في القبائل العربية: كان أهل الجاهلية لا يورّثون النساء ولا الصبيان، ويقولون: لا يُعطى إلا من لاقى الحروب، وقاتل العدو، وطاعن بالرمح، وضارب بالسيف، وحاز الغنيمة.. فجاء القرآن حاسما في خطأ هذا العرف لأن الورثة الصغار كان ينبغي أن يكونوا أحق بالمال من الكبار، لعدم تصرفهم، والنظر في مصالحهم: “لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا” [النساء:7].

والعرب في الجاهلية كانوا يُورِّثون الذكور فقط، فعندما تُوفي أوْس بن ثابت، وترك امرأته أم كجة وثلاث بنات ـ وفي رواية بنتين ـ وأخاه، قام رجلان هما ابنا عمه، ووصيَّان ـ قتادة وعرفجة ـ فأخذا المال وحدهما، فشكت الأم إلى النبي (ص) في مسجد الفضيخ، فبررا عدم إعطائها من الميراث بقول: أولادها لا يركبن فرسًا، ولا يحملن كَلًّا، ولا يُنكين عدواً. فنزلت الآية: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء/11]..

4 ـ في الإسلام: أحكام الميراث كانت متدرجة في التشريع وليست حكما قاطعا من أول وهلة:

4.1 ـ الميراث في بداية الإسلام كان أساسه الحلف والنصرة:

في الابتداء كان أساسه الحِلف والنُّصرة (حتى مع اختلاف الدِّين) ولذلك دخل مع الأهل من كان له مُوالاة، حيث كان الرجل يقول للآخر، أنت وليي ترثني وأرثك. وجاء فيه قوله تعالى: (ولكلٍّ جَعَلْنَا مَوالِىَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (سورة النساء : 33)

4.2- ثم، نُسخ فكان بالإسلام والهجرة:

(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) (سورة الأنفال : 72). وبهذه الآية، انقطعت الولاية بين المؤمن المهاجر وغيره، ممن لم يُؤمن، أو آمن ولم يهاجر. ثم نُسخ ذلك فجعلت الولاية للأقرب (وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ) (سورة الأنفال: 75)

4.3- في البداية، لم يكن هناك نظام مقدّر للميراث

ولم يكن للتوارث نظام مُقَدَّر، فترك للرجل لبضع سنوات بعد الهجرة، أن يُوزع ماله قبل موته كما يشاء.. قال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتقِينَ) (سورة البقرة : 180)..

لكنهم كانوا يخصّون بعضًا دون بعض، فيخصون الرجال دون النساء.. فنزل قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْه أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (سورة النساء : 7). لكن لم يبيِّن نصيب كل وارث، فتولَّى الله توزيع التَّرِكة بقوله تعالى: (يُوصِيكُمْ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ…) (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ..) (يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ..) (سورة النساء : 11، 12، 176) فبيَّن نصيب الأصول والفروع، ثم نصيب الزوجين، ثم نصيب الإخوة والأخوات.

4.4. حظ الأنثى يراعي كونها لا تنفق على نفسها، وإنما الرجل هو الذي ينفق عليها:

القرآن راعى في التوزيع جعل حظِّ الذَّكَر مثل حَظِّ الأنثيين إذا كانت هناك مساواة في الدرجة، ومشاركة في سبب الإرث؛ لأن الأنثى نَفَقَتُها في الأعم الأغلب على غيرها، إن كانت بنتًا أو أُمًّا أو زَوْجَة، وقد يزيد نصيبها على الذَّكَر أو يتساوى عند اختلاف الدرجة، واختلاف سبب الإرث، كالبنت الواحدة مع الإخوة، لها النِّصف، والنصف الباقي يوزع عليهم، ينال كُلًّا أقل من نصيبها وحدها وهو النصف والتساوي بينهما مع التساوي في الدرجة لا يُوجد إلا في الإخوة لأمٍّ فهم جميعًا شُركاء في الثلث بالتساوي، وإن كانت الآية لا تنص على هذه المساواة في الظاهر، لكن الإجماع عليها.

4.5. هذا التدرج يؤكد أن أحكام الميراث تتكيف مع البيئة والظروف الاجتماعية.. بما يحقق العدل.. وإذا تغير الواقع الاجتماعي، فلا حرج من التكيّف معه مع المحافظة على المقصد القرآني في أحكام المواريث، وهو حفظ الحقوق وإقامة العدل..

وبما أن النموذج الاجتماعي المعاصر لم يعد قائما على تفرغ الرجل للعمل خارج البيت، وتفرغ المرأة للعمل داخل البيت، ولم يعد الرجل وحده ينفق على البيت، وإنما حتى المرأة تنفق على البيت.. فهذا يفترض عدم الحرج في إعادة النظر في أحكام المواريث وتكييفها بحيث يمكن المساواة بين المرأة والرجل في الميراث..