بعض فقهاء أهل السنة الذين قالوا بأن عيسى عليه السلام مات ودفن؛ ولم يرفع إلى السماء حيّا بجسده وروحه:

*ابن حزم: ((إن الوفاة في الآيات تعني الموت الحقيقي، وأن صرف الظاهر عن حقيقته لا معنى له، وأن عيسى بناء على هذا مات، ولكنه سيعود قبيل القيامة وعودته إحياء جديد)).

*فخر الدين الرازي: (( {إني متوفيك} أي منهي أجلك، {ورافعك} أي رافع مرتبتك ورافع روحك إلي، {ومطهرك} أي مخرجك من بينهم، ومفرق بينك وبينهم… {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا} المراد بالفوقية، الفوقية بالحجة والبرهان… واعلم أن هذه الآية تدل على أن رفعه في قوله: (ورافعك) هو رفع الدرجة والمنقبة لا المكان والجهة، كما أن الفوقية في هذه الآية ليست بالمكان بل بالدرجة والمكانة)).

*الآلوسي: (( إني متوفيك: معناها على الأوفق إني مستوف أجلك، ومميتك موتا طبيعيا، لا أسلط عليك من يقتلك، والرفع الذي كان بعد الوفاة هو رفع المكانة لا رفع الجسد؛ خصوصا وقد جاء بجانبه قوله تعالى: (ومطهرك من الذين كفروا) مما يدل على أن الأمر أمر تشريف وتكريم)).

*محمد عبده: ((التوفي هو الإماتة العادية وأن الرفع يكون بعده وهو رفع الروح، وبخصوص الحديث الذي ينسب للرسول والذي يقول إن المسيح ينزل في آخر الزمان، ويقتل المسيح الدجال، فهناك تخريجان لهذا الحديث: 1 - أولهما أنه حديث آحاد متعلق بأمر اعتقادي، والأمور الاعتقادية لا يؤخذ فيها إلا بالقطعي، لأن المطلوب فيها اليقين وليس في الباب حديث متواتر. 2 - ثانيهما أن الدجال ليس إلا رمزا للخرافات والدجل، وأن ذلك يزول بشريعة الإسلام الغراء )).

  • محمد رشيد رضا:((ليس في القرآن نص صريح على أن عيسى رفع بروحه وجسده إلى السماء، وليس فيه نص صريح بأنه ينزل من السماء، وإنما هي عقيدة أكثر النصارى، وقد حاولوا في كل زمان منذ ظهور الإسلام بثها في المسلمين …وإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يصلح العالم فمن السهل أن يصلحه على يد أي مصلح ولا ضرورة إطلاقا لنزول عيسى أو أي واحد من الأنبياء)).

  • محمد أبو زهرة: ((الأحاديث المتعلقة بنزول عيسى بالإضافة إلى أنها أحاديث آحاد ليست متواترة، فهي لم تشتهر قط إلا بعد القرون الثلاثة الأولى ، ويمكن ربط هذا بما ذكره السيد محمد رشيد رضا عن محاولات النصارى، فإنهم في خلال هذه القرون كانوا يحاولون إدخال بعض عقائدهم في الفكر الإسلامي بطريق أو بآخر بدليل أن هذه الأحاديث لم تشتهر في القرون الثلاثة الأولى مع ما وصلت له العقيدة الإسلامية من دقة وعمق في هذه القرون… وإن نصوص القرآن لا تلزمنا بالاعتقاد بأن المسيح رفع إلى السماء بجسده، وإذا اعتقد البعض أن النصوص تفيد هذا وترجحه فله أن يعتقد في ذات نفسه ولكن له أن يلتزم ولا يلزم)).

  • الشيخ المراغي: ((ليس في القرآن نص صريح قاطع على أن عيسى عليه السلام رفع بجسمه وروحه وعلى أنه حي الآن بجسمه وروحه، والظاهر من الرفع أنه رفع درجات عند الله، كما قال تعالى في إدريس، (ورفعناه مكانا عليا) فحياة عيسى حياة روحية كحياة الشهداء وحياة غيره من الأنبياء)).

  • عبد الوهاب النجار: ((إنه لا حجة لمن يقول بأن عيسى رفع إلى السماء، لأنه لا يوجد ذكر للسماء بإزاء قوله تعالى: (ورافعك إلي) وكل ما تدل عليه هذه العبارة أن الله مبعده عنهم إلى مكان لا سلطة لهم فيه، وإنما السلطان فيه ظاهرا وباطنا لله تعالى، فقوله تعالى، (إلي) هو كقول الله في لوط (إني مهاجر إلى ربي) فليس معناه أني مهاجر إلى السماء بل هو على حد قوله تعالى (ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله…))).

  • سيد قطب:((لقد أرادوا قتل عيسى وصلبه، وأراد الله أن يتوفاه وفاة عادية ففعل، ورفع روحه كما رفع أرواح الصالحين من عباده، وطهره من مخالطة الذين كفروا، ومن البقاء بينهم وهم رجس ودنس)).

  • محمد الغزالي: (( أميل إلى أن عيسى مات، وأنه كسائر الأنبياء مات ورفع بروحه فقط وأن جسمه في مصيره، كأجساد الأنبياء كلها، وتنطبق عليه الآية (إنك ميت وإنهم ميتون) والآية (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) وبهذا ينتهي أن عيسى مات …ومن رأيي أنه خير لنا نحن المسلمين وكتابنا لم يقل قولا حاسما أبدا أن عيسى حي بجسده، خير لنا منعا للاشتباه من أنه ولد من غير أب، وأنه باق على الدوام مما يروج لفكرة شائبة الألوهية فيه، خير لنا أن نرى الرأي الذي يقول إن عيسى مات وإنه انتهى، وإنه كغيره من الأنبياء لا يحيا إلا بروحه فقط، حياة كرامة وحياة رفعة الدرجة.

  • وأنتهي من هذا الكلام إلى أني أرى من الآيات التي أقرؤها في الكتاب أن عيسى مات، وأن موته حق، وأنه كموت سائر النبيين )).

*صلاح أبو إسماعيل:((إن الله ليس له مكان حسي محدود حتى يكون الرفع حسيا، وعلى هذا ينبغي تفسير الرفع على أنه رفع القدر وإعلاء المكانة والمنزلة، ثم إن رفع الجسد قد يستلزم أن هذا الجسد يمكن أن يرى الآن وأنه يحتاج إلى ما تحتاج إليه الأجسام من طعام وشراب ومن خواص الأجسام على العموم، وهو ما لا يتناسب في هذا المجال…وأحب أن أجيب على من قال إن في مقدور الله أن يوقف خواص الجسم في عيسى، بأن إيقاف خواص الجسم بحيث لا يرى ولا يأكل ولا يشرب ولا يهرم… معناه العودة إلى الروحانية أو شئ قريب منها، وذلك قريب أو متفق مع الرأي الذي يعارض رفع عيسى بجسمه)).

*شلتوت: ((إن كلمة (توفى) قد وردت في القرآن كثيرا بمعنى الموت حتى صار هذا المعنى هو الغالب عليها المتبادر منها، ولم تستعمل في غير هذا المعنى إلا وبجانبها ما يصرفها عن هذا المعنى المتبادر، ثم يسوق عددا كبيرا من الآيات استعملت فيه هذه الكلمة بمعنى الموت الحقيقي، ويرى أن المفسرين الذين يلجئون إلى القول بأن الوفاة هي النوم أو أن في قوله تعالى: (متوفيك ورافعك) تقديما وتأخيرا، يرى أن هؤلاء المفسرون يحملون السياق…إنه إذا استدل البعض بقوله تعالى (وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين) على أن عيسى رفع إلى محل الملائكة المقربين، أجبناه بأن كلمة (المقربين) وردت في غير موضع من القرآن الكريم دون أن تفيد معنى رفع الجسم، قال تعالى: (والسابقون السابقون أولئك المقربون) - (فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم).على أن نزول عيسى وقتله المسيح الدجال…: ليست من الأمور المسلم بها على ظاهرها )).

المصدر: الدكتور أحمد شلبي (بتصرف بسيط واختصار)