نص مداخلتي لعرض البحث الذي شاركت به في مؤتمر الشارقة الدولي الأول للغة العربية.

عنوان بحثي هو: مقاربة لتطوير منصة تكنولوجية متكاملة للأكاديميين في الدراسات اللغوية القرآنية: التحديات والفرص

وعرضت فيه مقاربة مبتكرة، وأحسَبُها غير مسبوقة، لتطوير منصة تكنولوجية متكاملة، تهدف إلى خدمة الأكاديميين في مجال الدراسات اللغوية القرآنية.

1- المقدمة

وقد قدَّمتُ للبحث بملاحظتين: تمثّلت أولاهُما في كونِ القرآن الكريم ذا مكانة خاصة في المكتبة العربية عمومًا، وفي الدراسات اللغوية واللسانية خصوصًا.

وذكَّرتُ في الثانية بتشعُّب المعارف القرآنية، الذي تسبّب ويتسبّب للباحثين الأكاديميين في تحديات كبيرة، متعلقة بإدارة الوقت، وببذل الجهد أثناء العمل البحثي، ومتعلقة أيضا بالدقة والشمولية سواءٌ في التحليل، أو في صياغة النتائج البحثية.

ومن هنا، أردت بهذا المقترح، أن أَلفِتَ النظر إلى القيمة الاستراتيجية لتكنولوجيا المعلومات، في تسهيل عمل الباحثين، وفي تطوير أدوات بحثهم العلمي وطرائقه.

2- السياق

وانطلقتُ في البحث بالتذكير بالسياق الثقافي والأكاديمي والتكنولوجي. إذ تُعَدُّ الدراساتُ اللغوية للقرآن، مجالًا مهمًّا في العلوم الإسلامية واللغوية. وأصبح دمج التكنولوجيا، في العصر الحديث، ضرورةً حيويةً لتوسيع آفاق البحث وتحسين جودته.

ولكن، على الرغم من الإسهامات التكنولوجية الهائلة في هذا المجال، فما تزال ثمة تحديات كبيرة تعيق العمل البحثي. وأعتقد أن التطوّر التكنولوجي الحاصل في السنوات القليلة الماضية، يقدم فرصًا فريدة لتعزيز البحث العلمي، خاصةً عبر الذكاء الاصطناعي والتعلّم الآلي.

3- استخدامات التكنولوجيا في الدراسات اللغوية

ثم استعرضت استخداماتِ التكنولوجيا في المجال اللغوي العربي، بداية من الأعمال الرائدة لشركة صخر في الثمانينات، ثم إنجازات كبرى الشركات التكنولوجية على مدى أربعةِ عقود، وصولًا إلى المشاريع التكنولوجية العربية الكبرى، المنجزة في السنوات الأخيرة، وأعني بذلك: معجم الشارقة التاريخي للغة العربية، ومعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، وموقع مجمع الملك سلمان للغة العربية..

كما ذكَرْتُ الأدوات التكنولوجية التي توفرت للباحثين الأكاديميين في العقدين الأخيرين، من مكتبات إلكترونية مصوّرة ونصّية، وقواعد بيانات، ومحركات بحث متقدمة، ومواقع متخصصة، مثل المكتبة الشاملة، وموقع المعاني، والجامع التاريخي للتفاسير، وكوربوس قرآن، إلخ.

4- تقييم استخدام التكنولوجيا في الدراسات اللغوية القرآنية

ثم اقترحت تقييمًا لاستخدامات التكنولوجيا في الدراسات اللغوية القرآنية، مقارنةً باللغة العربية والإنجليزية عمومًا. واستعملت لهذا التقييم: نموذج النضج (maturity model) وهو سُلَّم بخمس درجات، يُعتمَد عادةً لتقييم استخدامات التكنولوجيا في مجال مّا.

وتوصلت من خلال هذا التقييم، الذي طبّقته على أكثر من أربعين مجالًا من الدراسات اللغوية، إلى إبراز الفجوة التكنولوجية الكبيرة في الدراسات اللغوية القرآنية، مقارنةً باللغة العربية في القطاعات الأخرى، ومقارنةً باللغة الإنجليزية على وجه أكبر. وأشرت إلى حاجة جميع مجالات الدراسات اللغوية القرآنية تقريبا للتطوير والدمج التكنولوجي.

5- الفجوات التقنية والتحديات المتعلقة بالتخصص

وعلى الرغم من التقدم الهائل المشهود، لا سيما من خلال توفير الكتب الإلكترونية، والمعاجم اللغوية، ومحركات البحث، وغيرها، فما زالت هناك فجوات تقنية مهمة، متعلقة بغياب النظم الشاملة، وتشتت الحلول التقنية، وضعف الرؤية الشاملة لقواعد البيانات، والقصور في التكامل والتفاعل بين الحلول.. وقدّمت أمثلة على ذلك من المواقع الإلكترونية الموجودة حاليًّا.. هذا في مستوى الفجوات التقنية.

ثم تحدثت أيضًا عن التحديات المتعلقة بطبيعة المجال البحثي، ومن أهمها: صعوبة التحليل اللغوي للعربية، مقارنةً بغيرها من اللغات الأكثر انتشارا، وضرورة فهم السياق الديني والثقافي للنص القرآني.

6- الجمهور المستهدف

وبعد هذا الإطار النظري، الذي قمت فيه بتحليل الوضع الراهن لحقل الدراسات اللغوية القرآنية، ولاستخدامات التكنولوجيا فيه، استعرضت مميزات المنصة التكنولوجية المقترحة. فتحدثت عن الجمهور المستهدف، من باحثين أكاديميين وطلاب، في مختلف التخصصات ذات الصلة، في الدراسات الصوتية والمعجمية والنحوية والبلاغية والدلالية، وغيرها.

7- الحاجات التي تلبيها المنصة للباحثين

وأشرت إلى أن أيّ باحث يطمح، في تقديري، لرؤية منصة إلكترونية جامعة، تسهّل عليه عملية البحث الأكاديمي. فالباحث يحتاج، مثلًا، إلى منصة شاملة، تسهّل عليه الوصولَ للبيانات وتحليلَها، وتعزِّز له دقةَ البحث وشموليتَه، وتوفر عليه جهد البحث في مصادر متفرقة، وتعزِّز قدرته على الرؤية الكمّية والإحصائية، وتسمح له باستنطاق قواعد البيانات بشكل متقدّم وأذكى مما هو موجود حاليًّا، وتوفّر له أيضًا في نفس الوقت فرص التعاون وتبادل المعرفة.

8- نماذج للأسئلة البحثية

ولبيان تفرّد هذه المنصة مقارنةً بالمشاريع الموجودة حاليا، قدمت نماذج كثيرة للأسئلة البحثية التي تعجز المواقع الإلكترونية الحالية عن توفير أجوبة لها، بينما يمكن للمنصة المقترحة أن توفرها بسهولة، وذلك من خلال هيكلة ذكية وشاملة لقواعد البيانات، ومن خلال إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي.

فمثلا، يمكن للباحث أن يسأل قواعد البيانات في المنصة عن الآيات التي تحتوي على صوت القاف، أو تحليل تلاوة صوتية ومعرفة القراءة أو التعرف الآلي على المقامات الموسيقية التي اعتمدها القارئ، أو الأخطاء المحتملة في تلاوته، أو مواضع الرَّوْم والإشمام في بعض السور، أو الأفعال الثلاثية الأكثر ورودًا في بعض السور، أو كلمات القرآن الواردة بلهجة قبيلة هُذَيْل، …

أو التحليل السيميائي لأوائل سورة الضحى (والضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى)، أو مقارنة ترتيب النزول عند ابن عباس وعكرمة وتيودور نولدكه، أو استعراض السور المتساوية في عدد الآيات، أو الآيات التي تتحدث عن مفهوم “المسؤولية الاجتماعية” من خلال سحابة المترادفات والأضداد (باعتبار أن “المسؤولية الاجتماعية” مفردة غير موجودة في القرآن، ولكنها قريبة من معنى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

إلى غير ذلك من عشرات، أو مئات الأسئلة البحثية التي تفتح الآفاق العلمية، ولا يمكن طرحها على قواعد البيانات الموجودة حاليًّا، ونريد للمنصة المقترحة أن تسهّل عمل الباحث فيها.

9- مكونات المنصة

ثم استعرضت التفاصيل التقنية للمكونات الستة للمنصة، والمتعلقة أساسًا بقواعد البيانات الخاصة بالباحثين، وأقسام الدراسات اللغوية، وتقسيمات القرآن، وقواعد اللغة في مستوياتها الأربعة (النحو العام، والدلالة، وتحليل الخطاب، ومقاربات النص). واستعرضت أيضا حلول الذكاء الاصطناعي الممكنة، مثل إمكانية البحث بالأسئلة (ChatBot)، والاستكشاف الآلي لأسماء الأشخاص والأماكن في النصوص، والاستكشاف الآلي للمواضيع الرئيسية في النصوص، وتحليل العواطف، وتحليل الصوتيات القرآنية، والتعرف الآلي على القراءات، وتحليل مقاماتها الموسيقية، إلى غير ذلك من أدوات البحث المتقدم، الممكنة وغير المسبوقة، بفضل دمج قواعد البيانات بالذكاء الاصطناعي وتقنيات التعلم الآلي.

ثم فصّلت بشكل مسهب الفضاء الإلكتروني للتعاون البحثي والعمل الجماعي، باعتبار حاجة الباحثين في كثير من الأحيان للعمل كفريق. وذكرت أهمية اعتماد أدوات مثل أوفيس 365 في تحرير الملفات بشكل جماعي، ومتابعة التغييرات الحاصلة فيها، وأهمّية مايكروسوفت SharePoint في تخزين وتبادل الوثائق، وتتبّع النسخ المختلفة، وأيضا أهمية ServiceNow كمنصة لتسهيل التعاون بين الباحثين والإداريين، ولإدارة الطلبات وتتبع المهام. وغيرها من الحلول التكنولوجية المتنوعة والمتعلقة بإدارة المشاريع، وتحليل البيانات البحثية، وإدارة البيبليوغرافيا، والتي تعزّز بمجموعها: ثقافة العمل الجماعي، والتعاون المشترك، والشفافية، والمساءلة ضمن الفرق البحثية.

10- القيمة الاستراتيجية للمنصة

ولم يسمح الوقت المتاح باستعراض كثير من التفاصيل التقنية المهمة لفهم خصائص المنصة، ولكن أردت في الختام لفت الانتباه إلى القيمة الاستراتيجية للمنصة، سواءٌ في المستوى الفردي أو في المستوى الجماعي، والمتمثلة في تعزيز جودة البحث العلمي، وفتح آفاق بحثية غير مسبوقة، وتسهيل التعاون، وتطوير المناهج، ودعم صناعة القرار في السياسات البحثية.

11- النقلة النوعية المتوقعة

وذكرت أن تنفيذ هذا المشروع من شأنه إحداث تغيير جوهري في طرق إجراء البحوث العلمية، وفي تقديم نتائج واكتشافات كانت مستحيلة أو صعبة للغاية بالوسائل التقليدية، وأيضا في تسهيل التعاون العابر للتخصصات، وتعزيزِه.

12- الخاتمة

وختمت بقول إنني على يقين، (بحكم الخبرة التكنولوجية المتراكمة، في جامعة أوتاوا، وغيرها من الشركات الكندية الكبرى، وكذلك بحكم المعرفة اللصيقة بواقع الدراسات القرآنية)، بأنّ المشروع يفتح آفاقًا جديدة للبحث العلمي، لا يمكن بلوغها إلا بمثل هذه المشاريع الضخمة، التي تحتاج لتعاونٍ دولي، ولتمويلٍ مناسبٍ، إمَّا من جهة حكومية أو من جهة خيرية، تضع المنصة في خدمة الباحثين مجانًا. أو من جهة استثمارية، توفرها بواسطة الاشتراك الفردي أو المؤسساتي..