زوجتي قالت لي أن كلامي حول مقاطعة البضائع الفرنسية ربما يُفهم منه رفضي للمقاطعة..

للتوضيح مرة أخرى:

قلت سابقا أنني مع المقاطعة الواعية والصامتة.. من زاوية إيديولوجية وسياسية وثقافية بحتة..

ولكن، حين يأتي بعض الفقهاء ورجال الدين والمتدينين، يجادل بمرجعية ونصوص دينية لتبرير الدعوة للمقاطعة، فكلامي واضح: نصوص الدين لا تُسعِفكم.. بل أنتم تناقضونها أكثر مما تنسجمون معها..

والقضية ليست متعلقة بمجرد آية واحدة أو حديث واحد.. بل بآيات كثيرة وأحاديث وقصص من السيرة النبوية.. كلها تشير بشكل قاطع أن الاستهزاء بالأنبياء (جميع الأنبياء) ظاهرة إنسانية طبيعية ومنتشرة.. بدءا من نوح عليه السلام (وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِن تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)، إلى النبي محمد (ص)، الذي قالوا عنه ساحر، مجنون، كاهن، كاذب، أبتر، إلخ من أوصاف الشتيمة والسخرية والتحقير..

والمنهج القرآني واضح وثابت مع كل الرسالات، في أن الرد على السخرية يكون إما بالإعراض أو بالسخرية بنفس القدر.. “فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ.. إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ.. الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ.. وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ.. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ.. وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ”

وانتهى الأمر. لا مقاطعة اقتصادية ولا هم يحزنون..

بل يذهب القرآن أبعد من ذلك، أنه ينهى عن المقاطعة الاقتصادية أو استهداف “العدو”، لاحتمال التسبب في الضرر للمؤمنين جرّاء ذلك.. بحيث أن القرآن يحرّم الإضرار بالعدو إن كان هناك احتمال أن يتسبب في ضرر لبعض المؤمنين المقيمين في ذلك البلد.. بل احتمال أن يكون هناك فيه ضرر لغير المسلمين الذين قد يكونون غير راضين عن السخرية والاستهزاء الحاصلة:

في سورة الفتح: هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ.. وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا..

الآية واضحة في أن الله منع المسلمين من أن يطأوا (يتسببوا في الإضرار) ببعض المؤمنين الذين يخفون إسلامهم من أهل مكة، فيتسبب ذلك في معرّة (أذى).. ويقول القرآن: لو تزيّلوا (لو تفرقوا) لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما.. ولكنهم لا يتفرقون..

لو نطبق هذا على الحالة الفرنسية: فالمجتمع الفرنسي خليط من المؤمنين وغير المؤمنين.. وغير المؤمنين خليط من المستهزئين بالنبي (ص) وغير المستهزئين به، والرافضين حقا لأسلوب السخرية والاستهزاء.. والقرآن ينهى عن الاستهداف الجماعي لهم بالشراكة (par association)..

أعود فأقول: تحبوا تقاطعوا فرانسا لأسباب سياسية وثقافية؟ هذا شأنكم.. أما تبرير ذلك بالمنطق الديني، فهذا لا يسعفكم في شيء.. وإنما يوقعكم حتما في التناقض ومخالفة أوامر الله، والمنهج القرآني..