كنت في بيت أحد الأصدقاء، منذ أيام، وحان وقت صلاة المغرب، فصلى بنا وقرأ أواخر سورة المائدة. وكأني أسمعها أو أتأملها لأول مرة في حياتي.. وبقيت أتحاور معهم حولها طويلا: وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُواْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ
﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾
﴿قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾
﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ﴾
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ
﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
هنا حواران بين المسيح (ع) وبين الله تعالى. أحدهما في الدنيا والثاني في الآخرة (الدليل: فلمّا توفيتني). وفي الحوار الثاني يدافع المسيح عن أتباعه الذين أشركوا وجعلوه وأمه إلهين “بعد وفاته”. وهذا يشمل كل المسيحيين الذين أتوا بعده وحتى يوم القيامة. ولا معنى لأن يتم حصرهم بمن جاؤوا قبل نبوة محمد (ص).. ولم يطلب تسليط العذاب عليهم، بل طلب لهم الرحمة من خلال استعطاف الله تعالى بصفاته الرحمانية التي تشير للعفو عند المقدرة (العزيز الحكيم): إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ولو كان يطلب لهم العذاب لذكر صفات القوة والجبروت: إن تعذبهم فإنك القوي الجبار المنتقم، مثلا. ولكن حتى عند إيراده لخيار العذاب تودّد لله بوصفهم أنهم “عباده”. والمولى يعفو عن عباده. وظاهر رد الله تعالى يشير إلى أنه لن يعذبهم. بدليل أنه غض الطرف عن التصريح بمآلهم واكتفى بالحديث عن الفئة الأخرى التي لم تشرك. وبالتالي فيبدو أنهم سيتعرضون للسؤال والمحاكمة يوم القيامة، ومن يصدق في الاعتذار والتوبة يوم القيامة (يعني: أشرك بحسن نية واعتقاد، وليس لعناد وتكبر وجحود) فسيتوب الله عليه ولن يكون مآله النار. وهذه إشارة واضحة الدلالة بالنسبة إليّ في كون الجنة ليست لأهل الإسلام فقط، وإنما حتى من عمل صالحا من أهل الكتاب والتزم مقتضيات الصراط المستقيم المذكورة في القرآن (وهي الوصايا العشر المذكورة في سورة الأنعام وسورة الإسراء) فله أن يطمع في رحمة الله، ولن يخيب أمله.
ونفس الآيات المذكورة تشير إلى أن الله يميز بين نوعين من الكفر والإنكار: كفر من يجحد بعد رؤية معجزة بصرية لا سبيل لإنكارها (المائدة) والكفر لأسباب أخرى. الكفار الاوائل سيعذبهم عذابا لم يعذبه أحدا آخر لأنه حينها يصبح الكفر عبثيا.