في الأسبوع الفارط، دُعيت لحضور محاضرة بعنوان “المسيح في القرآن”، في إحدى كنائس مدينة كيبك.. من تنظيم لجنة محلية للحوار الإسلامي-المسيحي، ومن تقديم إمام خطيب سابق في المسجد الرئيسي لكيبك له دكتوراه في الفقه (على ما يبدو).. وصدمت بضحالة المحاضرة وخطئها المنهجي الذي كان قائما على رؤية صدامية متعارضة مع السياق التنظيمي ومع الرؤية القرآنية للحوار.. مما جعلني أتدخل في نهايتها لنقد المقاربة وتصويب الوجهة..
بدأ المحاضر باستفزاز خطير وغير مبرر بالحديث عن أن آيات القتال والحرب موجودة فعلا في القرآن، ولكنها موجودة أيضا في الإنجيل.. وأوحى بأن الإنجيل أشد تطرفا ودموية من القرآن.. ثم ركز طوال 15 دقيقة (من جملة 65 دقيقة) على مسألة فرعية تافهة لا علاقة لها بصورة المسيح في القرآن، ومتعلقة باسمه الحقيقي، هل هو عيسى أو يسوع، ليحسم وجهة نظره في الأخير بأن الاسم الحقيقي (من بين أسماء وصفات عديدة) هو يسوع وتحول في العربية إلى عيسى.. ثم تحدث عن عدم وجود علاقة بين السيدة مريم ويوسف النجار (خطيبها عند المسيحيين). إلخ من القضايا الهامشية التي لا طائل من ورائها..
وكنت طوال المحاضرة، ألتفت للمسيحيين الحاضرين (من بينهم القس المسؤول على الكنيسة) لأرى ملامح الانزعاج والضجر التي كانوا يحاولون تغليفها بالتركيز على كتابة ملاحظات في أوراق بين أيديهم..
وعندما أخذت الكلمة قدمت مقاربة أخرى لعرض الموضوع قامت على النقاط التالية: 1- القرآن يتحدث عن وجود عدد كبير من النبوات والرسالات.. لا تفاضل بينها.. وإنما أرسل الله كل نبي إلى قومه، وبلسان قومه ليذكّرهم أو ليبيّن لهم.. ولا يوجد تفاضل بين الأديان عند المسلمين باعتبار أن جوهرها واحد. والاختلاف في المعتقدات ناتج عن التحريفات لا غير.. 2- القرآن يميز بين النبي والرسول.. والنبي يوحى إليه (بأشكال مختلفة) ومكلف بهداية الناس على لسانه الشخصي.. والرسول يوحى إليه بنص أو رسالة كتابية يكلف بنقلها للناس كما هي.. 3- والحديث النبوي يذكر وجود أكثر من 125 ألف نبي في كل الأمم والعصور.. بينما القرآن يذكر أسماء 25 رسول فقط، من بينهم خمسة مميزون وصفهم بـ”أولي العزم”، أي الأكثر جهدا وصبرا ومكابدة في نقل الرسالة، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد. 4- يعتبر موسى الأكثر ذكرا في القرآن (36 مرة)، ويليه عيسى (25 مرة).. والبقية أقل من 15 مرة.. وهذا دلالة على اهتمام القرآن برسالة هذين النبيين. 5- من يقرأ عن عيسى في القرآن لا يمكن إلا أن يحصل له انطباع بالاحترام والحب لهذا النبي.. لأن السياقات التي عرضت فيها جوانب من سيرته متعلقة بولادته المعجزة، وطفولته، وجوانب من رسالته الأخلاقية، وأسلوب دعوته، وهي جميعا تعطي انطباعا عن هدوء في الطبع وقوة في الشخصية ولين ورفق في الدعوة، مع امتنان وحنان للأم.. 6- وشخصيا أعتبر شخصية عيسى هي الأقرب والأحب إليّ، بعد شخصية محمد (ص)، منذ طفولتي.. باعتبار أنني بدأت التعرف على عيسى في سن 9-11 سنة حين بدأت أقرأ السور الطويلة ومنها سورة مريم، فوجدت حديثا عن ولادة خارقة لنبي وحديث عن طفولته بشكل مثير ومشوق، ثم حديث عن برّه بوالدته ولم يجعله الله جبارا شقيا.. وهذا يخلق لدى الطفل القارئ انطباعا قويا بالطيبة والقرب في التجربة، نظرا لتعلق الطفل بأمه.. مما قوى رابطتي بوالدتي.. 7- أما من حيث مضمون الرسالة، فيوجد جوانب اتفاق واختلاف بين الإسلام والمسيحية، حيث أن أهم ما يتفق عليه الطرفان هو:
- وجود الإله الخالق، الواحد الأحد
- وجود حساب ويوم آخر
- جوهر الرسالتين يتلخص في الوصايا العشر: الإيمان والإذعان لله، الاحسان للوالدين، عدم قتل الأبناء، الامتناع عن العلاقات الجنسية المحرمة، النهى عن القتل، النهي عن ظلم الأيتام، النهي عن الظلم في التجارة والكيل والميزان، العدل وقول الحق ولو كان أولي القربى لفائدة الغريب، الوفاء والالتزام بالعهود. 8- أما نقاط الاختلاف فتتمثل أساسا في:
- نبوة أو ألوهية عيسى
- التثليث
- عقيدة الخلاص (أي أن يحمل عيسى آثام البشرية على عاتقه) أو عقيدة التوبة والمغفرة المباشرة بين العبد وربه. 9- ومع ذلك، يتفق المسيحيون والمسلمون في مسألتين أخريين فيهما اختلاف مذهبي بين المسلمين:
- توسل النصارى بعيسى يقترب كثيرا من توسل بعض المسلمين بالنبي محمد (أو موضوع الشفاعة، وهي قضية خلافية بين المسلمين، هل هي تجوز أم هي نوع من الشرك، وأنا لا أراها شركا طالما أنها لا تعتقد بقدرة النبي على تغيير الواقع بنفسه، وإنما على إمكانية وساطته للعفو والمغفرة، وهذا ممكن).
- هل يعود المسيح في نهاية العالم أم لا.. وأنا لا أعتقد بذلك، في حين أن كثيرا من المسيحيين والمسلمين يعتقدون ذلك. 10- وختمت تعقيبي بالقول إن جوهر الخلاف متعلق بما يسمى “المعتقدات النظرية” وليس المعتقدات العملية، وأن ما يهم عند الاختلاف هو البحث عن المشترك العملي الذي يؤثر على واقعنا اليومي (croyances actives, croyances inactives)، وأن المهم فيما نشترك فيه هو أن نتفق على احترام التعايش ولا نقتل ولا نسرق ولا نظلم الآخرين ونحافظ على الأسرة كإطار أساسي للحياة، وأن نلتزم بالوفاء للعهود، ونعدل في القول والعمل.. يعني: الجوهر الأخلاقي المشترك لجميع الأديان..
وكان من الواضح لي تبرّم المحاضر بتفاصيل تعقيبي لأنني عرضت منهجية مناقضة لمنهجيته التي دخل على أساسها في جدال دام 10 دقائق حول إثبات عدم ألوهية المسيح.. ولكنني سُعدت في آخر اللقاء حين انصرف غالبية الحضور، بحديثي مع قسيس الكنيسة الذي شكرني على مداخلتي التي كان وقع طيب على نفوسهم وأظهرت وجود أشخاص يدفعون بالفعل نحو التعايش رغم الاختلاف.. وذكّرته بأن القرآن يأمر نبيه محمدا وأتباعه بعدم الصدام مع أهل الأديان خصوصا أهل الكتاب.. والبحث عن المشترك والتعارف (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) والوقوف في الحوار على مسافة تحفظ للآخر قدره وكرامته، وحقه في الاختلاف، واعتقاده بصوابية معتقده (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)، (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ)، (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ.. لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ).