في موضوع تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ثمة نصّان متناقضان في الموضوع:
-
أحدهما ذكره ابن كثير، يشير إلى أن بيت المقدس كانت قبلة النبي منذ العهد المكي: “وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه، فلما قدم المدينة وجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا، أو سبعة عشر شهرا ثم صرفه الله إلى الكعبة بعد”..
-
والثاني كلام منسوب لابن عباس، يشير إلى بيت المقدس كانت قبلة النبي فقط حين بعد هجرته إلى المدينة: “كان أول ما نُسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة - وكان أهلها اليهود - أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها ـ إلى قوله: فولوا وجوهكم شطره ـ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.”
أجد صعوبة في قبول أن يكون الله أمر النبي (ص) بمجرد الإهام، وبدون نص قرآني يشير لذلك..
ما أميل إليه، هو ان النبي (ص) باعتبار ميله للحنيفية كان يرفض ولا يحب استقبال الأصنام في الصلاة.. لذلك:
1- حين كان في مكة، كان يصلي قبالة الكعبة مباشرة، وأحيانا في حجر إسماعيل، اجتنابا للأصنام المحيطة بالكعبة..
2- وحين تحول للمدينة أصبح الوضع غير قابل للتجنب.. فحول قبلته إلى المكان الذي كان محررا من الأصنام، ورمزا للوحدانية (بيت المقدس).. يعني باتجاه معاكس تماما (180 درجة) لاتجاه مكة..
3- وبعد فترة من الزمن عاد الحرج للنبي (ص) باعتباره يرى أن الكعبة أولى أن تكون قبلة لرمزيتها وتعلقها بإبراهيم.. ولكن تغيير القبلة بقرار شخصي كان سيثير الاستغراب والاتهامات بالارتجالية.. فنزل الوحي هنا فقط، لتغيير القبلة.
هل هذا نسخ حكم؟ يعني هل نُسخ حكم القِبلة؟ لا أراه كذلك، بل أرى أنه تطور في الموقف حسب الظروف والسياقات.. أصلا، الإمام القرطبي نقل اختلاف العلماء في الموضوع، فقال:
“واختلف العلماء ـ أيضا ـ في كيفية استقباله بيت المقدس على ثلاثة أقوال،
-
فقال الحسن: كان ذلك منه عن رأي واجتهاد، وقاله عكرمة وأبو العالية.
-
الثاني: أنه كان مخيرا بينه وبين الكعبة، فاختار القدس طمعا في إيمان اليهود واستمالتهم. قاله الطبري. وقال الزجاج: امتحانا للمشركين، لأنهم ألفوا الكعبة.
-
الثالث: وهو الذي عليه الجمهور ـ ابن عباس وغيره ـ وجب عليه استقباله بأمر الله تعالى ووحيه لا محالة، ثم نسخ الله ذلك وأمره الله أن يستقبل بصلاته الكعبة، واستدلوا بقوله تعالى: وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه… الآية. انتهى.” هذا يعني أن العلماء السابقين طرحوا القضية، وأنهم لم يكونوا مجمعين على أن حكم القبلة من النسخ القرآني، وإنما مسألة اجتهاد نبوي.. أقرها القرآن كي يرفع الحرج عن النبي..