ملاحظات بمناسبة ذكرى الاسراء والمعراج ..
سورة الإسراء 111 آية بدأت بالحديث عن عملية “إسراء”.. ومباشرة بعد ذلك 7 آيات عن موسى وعن بني إسرائيل:
﴿1- سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
﴿2- وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً﴾
﴿3- ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾
﴿4- وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾
﴿5- فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً﴾
﴿6- ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾
﴿7- إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾
﴿8- عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا﴾
1- لماذا لا يكون موسى هو المقصود ب”عبده”؟ لا سيما أن سياق الآيات يتكلم عن موسى؟
لو كان الحديث عن محمد (ص)، فلماذا لم يتواصل الحديث عنه في الآيات الموالية؟ وإنما انتقل للحديث عن بني إسرائيل؟
السورة أصلا اشتهرت في عهد النبوة وعهد الصحابة بأنها “سورة بني إسرائيل”.. والمفسر التونسي الطاهر بن عاشور ذكر في كتابه “التحرير والتنوير” أن السورة كانت “تسمى في عهد الصحابة بسورة بني إسرائيل”..
﴿وقد ذُكر ذلك في كتب الصحاح (البخاري ومسلم) عن عبد الله بن مسعود.. وورد أيضا في الترمذي عن عائشة: “كَانَ النَّبِيُّ لاَ يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالزُّمَرَ”..﴾
وهذا يعني أن الصحابة كانوا يدركون أن السورة من أولها لآخرها مخصصة لبني إسرائيل.. وأن مضمونها الأهم هو الحديث عن موسى وقومه، وليس حدثا آخر.. ولم يستعمل اسم “الإسراء” إلا لاحقا في جيل ما بعد التابعين..
2- لو كانت الآية تتكلم عن حادثة إسراء النبي (ص) من مكة لبيت المقدس، وكانت حدثا هاما، ألم يكن من المنطقي أن يفصّل القرآن ويطيل في الموضوع؟
ولو كان النبي أسري به إلى المسجد الأقصى حقيقةً، ثم أعرج به إلى السماء لملاقاة الله، ألم يكن منطقيا أن يحتفل بذلك كل سنة، بالصيام والشكر؟
تروي لنا كتب السيرة أن النبي (ص) حين قدم ليثرب، وجد اليهود يصومون يوما شكرا لله، فسأل عن ذلك فقيل له: هو عاشوراء، يوم نجّى الله موسى من فرعون.. فصامه النبي (ص) قائلا: نحن أولى بشكر الله على ذلك..
ألم تكن حادثة الإسراء الى الأقصى (لو صحت) والصلاةُ هناك بجميع النبيين في بيت المقدس (كما يقال)، أهمَّ له بكثير كتجربة شخصية وحميمية، كي يذكرها ويصوم لها شكرا؟
ألم تكن حادثة المعراج أهم حدث له على الإطلاق كنبي؟ وهل هذا الأمر لا يستحق الشكر والصيام السنوي؟
هل يمكن أن يمر حدث كهذا مرور الكرام في حياة النبي وحياة الصحابة؟ وهل حادثة المعراج إلى السماوات أقل أهمية كحادثة له كنبي، من حادثة إبراهيم وفداء ابنه إسماعيل، كي يعتبر هذه عيدا، ولا يرى في إسرائه ومعراجه عيدا؟
ثم لو كان المعراج حصل فيه تخفيف الصلاة من خمسين لخمس صلوات، ألا يفترض ان يكون هذا أهم عيد للنبي والصحابة كي يحتفلوا به سنويا؟ ومع ذلك لم يحتفلوا؟ بل مر الحدث مرور الكرام..
ثم لو صح ذلك، لماذا ذَكرت الآية الإسراء ولم تذكر المعراج؟ ألم يكن من المنطقي أن يربط القرآن بين الحدثين باعتبارهما حصلا في نفس الليلة؟ ولماذا يطلب القرآن التسبيح لأجل الإسراء ولم يطلب التسبيح لأجل المعراج، وهو أكثر قيمة وأعظم فضلا وكرامةً؟
3- من القصص الخرافية التي وردت في بعض الكتب، وتناقلها الدعاة والخطباء والناس، قصة التشهد الذي في الصلاة، وهل حقا أنه ملخص حوار في حادثة المعراج..
القصة الخرافية تقول: حوار التشهـّد يبدأ المشهد برسول الله وهو يمشي في معيـّة جبريل في طريقهما لسدرة المنتهى في رحلة المعراج.. وفي مكان ما يقف جبريل عليه السلام فيقول له محمد (ص): أهنا يترك الخليل خليله؟ قال جبريل: لكل منا مقام معلوم يا رسول الله.. إذا أنت تقدّمت اخترقت، وإذا أنا تقدّمت احترقت.. فتقدم النبي (ص) إلى سدرة المنتهى واقترب منها، ثم قال: التحيات لله والصلوات الطيبات.. فرد عليه رب العزة: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.. فقال رسول الله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. فقال جبريل -وقيل: الملائكة المقربون -: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمَّداً رسول الله..
واعتمد هذا الحوار في التشهد في الصلاة..
هذه القصة لأصل التشهد وعلاقتها بالمعراج، لا أصل لها في الشرع.
وما ورد في كتب الحديث الصحيح واضح ومخالف لهذه القصة..
عن عبد الله بن مسعود قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كفِّي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن: (التحيات لله، والصلوات والطيبات.. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله).. رواه الجماعة (أي أصحاب الكتب الستة: البخاري ومسلم في الصحيحين والترمذي والنسائي وابن ماجه وأبي داود في سننهم، وأحمد بن حنبل في مسنده).
خلاصة الفكرة:
- إما أن الإسراء يقصد به موسى عليه السلام (وهذا ما أرجّحه)
- أو أن الإسراء والمعراج ليسا حدثين بتلك الأهمية التي يحتفل بذكراها المسلمون، باعتبار أن القرآن لم يتوقف عند الحادثة بأي تفصيل هام.. وباعتبار أن النبي لم يحتفل بها (بالصيام وصلاة الشكر) كأهم حدث في نبوته.. باعتبارها معجزة لم تحصل لأي نبي آخر.. وباعتبارها تتويجا لنبوته في من كل الأوجه..
هل زار موسى مكة؟ نعم حسب النبي (ص).. في صحيح مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بوادي الأزرق، فقال: أي واد هذا؟ فقالوا هذا وادي الأزرق.. قال: “كأني انظر إلى موسى عليه السلام هابطاً من الثنية وله جؤار إلى الله بالتلبية”.. ثم أتى على ثنية هرشى، فقال: أي ثنية هذه؟ قالوا: ثنية هرشى.. قال: “كأني انظر إلى يونس بن متّى عليه السلام على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف خطام ناقته خلية وهو يلبي.. (رواه مسلم)..
ثمة تفاصيل أخرى كثيرة متعلقة بالآية التي يؤولها المفسرون في علاقة بالمعراج. وفي موضوع تحديد عدد الصلوات (خمس بأجر خمسين) في المعراج.. ربما أتطرق إليها في منشور مستقل..