هذه من الدراسات المتأنية التي يجب قراءتها بتركيز لادراك قيمتها.. تحاورت مع صديقي أكرم الزريبي المحامي، عدة مرات في هذا الموضوع.. وفي كل مرة أقترب أكثر من رأيه.. رغم بقاء عدة أسئلة نقدية عندي حول الموضوع.. هل أخطأنا التقويم الهجري؟ الأستاذ أكرم الزّريبي

سؤال يبدو غريبا وجريئا وصادما، أعرف أنّه سيثير ردود فعل متباينة قد لا تخلو من عنف لدى البعض، ولذلك يكون لزاما عليّ بادئ ذي بدء التأكيد أنّنا جميعا نسعى الى معرفة الحقيقة، وكلّ ما تقتنع به عقولنا يبقى نسبيّا وقابلا للتعديل، كلّما تعمّقنا أكثر في بحور المعرفة بموضوعيّة ودون غلوّ لفكرة مسبّقة، واعتمادا على منهجيّة البحث الموضوعي غير المنحاز للمعتقدات المسبّقة والتي تجعل من الباحث يسعى لإثبات فكرته بدل السعي لإكتشاف الحقيقة Confirmation Bias.

لقد نشأنا على فكرة توارثناها منذ عصر السلف الأوّل من الأمّة الإسلاميّة مفادها أنّ العام الهجري يكتمل بتمام انقضاء اثني عشر شهرا هجريّا، فيكون تعداد أيّام العام الهجري ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما (354) أي بنقص قدره أحد عشر يوما (11) عن تمام اكتمال الدورة السنويّة للأرض حول الشمس، والمقدّرة بثلاثمائة وخمسة وستّين يوما وربع اليوم.

هذا النقص في عدد الأيّام جعل العام الهجري أقلّ أيّاما من اكتمال دورة فصول العام الأربعة، وهو ما جعل الأشهر الهجريّة تتأخّر عن ميقاتها الذي يربطها بالفصول المناخيّة والزراعيّة بصفة متواصلة، فيأتي شهر رمضان مثلا في فصل الخريف ثمّ يتأخّر الى الصيف ثمّ الربيع ثمّ الشتاء وهكذا دواليك.

لا شكّ أنّ كلّ الحضارات السابقة والمعاصرة تتّبع تقويما يربط اكتمال العام باكتمال دورة الأرض حول الشمس، ومن المثير هنا أن نسجّل أنّ كلّ الحضارات الإنسانيّة قسّمت العام الى اثني عشر شهرا (12) ولم تشذ أيّة أمّة عن ذلك، وهذا مصداق قوله تعالى في سورة التوبة “إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ” كما أنّ الشهر هو اكتمال دورة القمر حول الأرض، وهو ما يجعل كلّ الأمم قد مزجت بين حركة القمر وبين حركة الشمس لضبط الحساب، فالأولى لتقدير اكتمال الشهر والثانية لتقدير اكتمال السنة، وهذا أيضا مصداق قوله تعالى في سورة يونس “هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ”.

كلّ الأمم بمن فيهم العرب أدركوا أنّ اكتمال اثني عشر شهرا لا يوافق اكتمال دورة الأرض حول الشمس، ومن هنا أصبح حساب الأيّام والأشهر والسنين يخضع للتقويم Calender، وذلك بإضافة يوم أو أيّام كبيسة في بعض السنوات المحدّدةLeap Year بصفة دوريّة لتعديل التقويم وبقاء الأشهر متطابقة للفصول المناخيّة والزراعيّة، علما بأنّ مصطلح “الكبيس” نقل الى العربيّة من اللغة الآراميّة التي استعملت هذا التعديل لتقويم رزنامة العام.

وتعود أوّل روزنامة تقويم الى الألفيّة الثالثة قبل الميلاد بحسب علماء الآثار والتاريخ تمّ استعمالها من قبل البابليين، ولكن مؤرّخين آخرين يؤكّدون أنّ أوّل رزنامة استعملها المصريون القدامى في الألفيّة الخامسة قبل المسيح تمّ العثور عليها بجنوب مصر، وكانت الرزنامة تعتمد على حركة القمر وتقسم العام الى اثني عشر شهرا ويتكون كلّ شهر من عدد من الأيّام يتراوح بين تسعة وعشرين وثلاثين يوما وكان اتباع نظام زيادة أيّام او أشهر للمحافظة على المعادلة بين الأشهر وبين الفصول المناخيّة للسنة أمرا مقرّرا.

لم يشذّ العرب عن هذه القاعدة وكانوا أدركوا أن اكتمال الإثني عشر شهرا يجعل العام ناقصا بحوالي أحد عشر يوما، ولقد أدركوا أنّ الرومان مثلا وجدوا الحلّ في توزيع تلك الأيام الناقصة على أشهر العام فأصبح الشهر ذو التسع والعشرين يوما تعداده ثلاثين يوما والشهر ذو الثلاثين يوما تعداده احدى وثلاثين يوما، ويبقى مع ذلك ربع يوم يضيفونه كلّ أربع سنوات حينما تكتمل عدّته يوما كاملا، لشهر فبراير ليصبح تسع وعشرين يوما في سنة كبيسة (يراجع تاريخ التقويم الغريغوري وخاصة حذف يوم من شهر فبراير ليضاف الى شهر أغسطس وحذف يوم ثان من شهر فبراير أيضا لإضافته الى شهر ديسمبر، وهو ما يفسّر اقتصار شهر فبراير على ثمانية وعشرين يوما فقط)، لكنّ العرب كانوا ينتظرون اكتمال نقص الأيّام ليصل الى ثلاثين يوما وذلك بتمام انقضاء عامين وثمانية أشهر أي انثين وثلاثين شهرا، باعتبار أنّ كلّ عام يمرّ يسجّل نقصا بأحد عشر يوما والذي يصبح اثنين و عشرين يوما بعد عامين، ويصل النقص الى ثلاثين يوما بتمام انقضاء الشهر الثامن من العام الثالث، فيضيفون عندئذ شهرا يسمّونه الشهر الكبيس لتعديل الحساب وتقويمه، فتحافظ بذلك الأشهر على ميقاتها بحسب الفصول المناخيّة والزراعيّة ولا تتغيّر أبدا.

فماذا حدث بعد ذلك؟

تجمع المراجع الفقهيّة الإسلاميّة السنيّة والشيعيّة على أنّه تمّ الغاء هذا التقويم القائم على إضافة الشهر الكبيس وذلك في السنة العاشرة للهجرة 10 ه أي في آخر حياة النبيء محمّد صلى الله عليه وعلى آله وسلّم، استنادا إلى قوله تعالى في سورة التوبة ” إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ ۖ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ۚ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ” واعتبروا أنّ المقصود بالنسيء هو الشهر الكبيس الذي اعتاد العرب على اتّباعه مرّة كلّ عامين وثمانية أشهر لتقويم الحساب، حتّى أنزل الله تعالى هذه الآية من سورة التوبة ليحرّم النسيء باعتباره زيادة في الكفر ومن العمل السيّء.

ويستند الفقهاء أيضا الى خطبة الرسول صلى الله عليه وسلّم في حجّة الوداع عام 10 هجري حيث جاء في الصحيحين قوله عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع “إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان”. وقد فسّروا القول المنسوب الى النبيء بأنّ الشهر الكبيس الذي اعتاد العرب اضافته مرّة كلّ اثنين وثلاثين شهرا قد أدّى الى عدم تطابق الأشهر مع الهيئة التي خلق الله عليها السماوات والأرض، أي أنّ الأشهر لم تكن مطابقة لحقيقة مواقيتها، وأنّه في العام العاشر للهجرة استدار الزمن فأصبح موافقا للهيئة التي خلق الله عليها السماوات والأرض، ولذلك يتعيّن المحافظة على ذلك بالقطع مع عادة إضافة الشهر الكبيس كي لا تتأخّر الأشهر عن مواقيتها من جديد.

وقبل التثبّت من صحّة التفسير الذي ذهب اليه فقهاء السلف ومدى تبريره لابطال الإعتماد على الشهر الكبيس لتقويم الحساب والمحافظة على الأشهر في مواقعها الأصليّة حسب الفصول المناخيّة والزراعيّة، يثور تساؤل خطير حول صحّة ما تمّت روايته من إيقاف العمل بالشهر الكبيس، فمن الثابت أنّ جميع تلك المراجع الفقهيّة تقرّ بأنّ توقّف استخدام الشهر الكبيس الذي يسمّونه خطأ “شهر النسيء” كما سنوضّحه لاحقا، قد تمّ يوم حجّة الوداع التي وقعت في السنة العاشرة للهجرة، وقبل بضعة أشهر من وفاة النبيء صلى الله عليه وسلّم.

القراءة المنطقيّة الواضحة للأحداث تقودنا الى افتراض أنّ العرب، بمن فيهم المسلمون، كانوا يعملون بالشهر الكبيس، أو كما يحلو للفقهاء تسميته بالشهر النسيء، وذلك الى حدود السنة العاشرة للهجرة، ونفترض أيضا أنّ هذا العمل معيب وخاطئ، وهو المقصود بالتحريم على معنى آية سورة التوبة حول الشهر النسيء، لأنّه يتسبّب في اختلاف الأشهر عن مواقيتها الحقيقية التي خلق الله الكون عليها، وهو ما فهمه الفقهاء من الحديث المنسوب الى النبيء في حجّة الوداع، فاعتبروا أنّ النسيء كان أدخل لخبطة وفوضى في الحساب بما جعل الأشهر تفقد مواقيتها الطبيعيّة التي خلقها عليها الله تعالى يوم خلق السماوات والأرض، وأنّه للمحافظة على هذا النظام الكوني، الذي أراده لنا الله تعالى، وجب ابطال العمل بزيادة شهر مرّة كلّ عامين وثمانية أشهر، وإبقاء العام الهجري مقتصرا على ثلاثمائة وأربعة وخمسين يوما أي بنقص حوالي احد عشر يوما عن اكتمال دورة الأرض حول الشمس، بما سيجعل الأشهر العربيّة تتغيّر باستمرار عن مواقعها التي تربطها بفصول السنة المناخيّة والزراعيّة.

أدّى هذا التفسير المتواتر لدى فقهاء المسلمين، والذي اعتمده كلّ شخص يبرّر إيقاف العمل بالشهر الكبيس، الى نتيجة صادمة مفادها أنّ التواريخ التي سبقت حجّة الوداع كانت كلّها تواريخ خاطئة ومغلوطة، وأنّ المسلمين على حياة النبيء عليه الصلاة والسلام كانوا يصومون رمضان في غير رمضان، وأنّ غزوة بدر لم تقع في يوم 17 رمضان من السنة الثانية للهجرة، وأنّ القرآن لم ينزل في شهر رمضان، وأنّ كلّ المحطّات المهمّة في تاريخ فجر الإسلام بما في ذلك تاريخ ميلاد النبيء وبيعة العقبة الأولى والثانية والهجرة لم تحدث في التواريخ التي وردت في كتب السيرة والحديث، بل الأخطر من ذلك أنّ الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن أحداث وقعت في شهر رمضان مثل نزول القرآن، تصبح موضع تساؤل رهيب: أيّ رمضان؟ رمضان الذي عاشه المسلمون متّبعين لنظام الشهر الكبيس، أم رمضان الحقيقي دون احتساب الشهر الكبيس؟ بما أنّ النبيء جاء بعد عشر سنوات من الهجرة، وبعد ثلاث وعشرين سنة من البعث، وأخبر المسلمين بأنّ الشهر الكبيس الذي دأب العرب - بمن فيهم المسلمون - على اتّباعه منذ الأزل، هو زيادة في الكفر وجب تركه ووجب الإقتصار على دورة سنوية للعام الهجري بـ354 يوما بدل 365 يوما، بما يجعل ميعاد كلّ شهر عربي هجري يتأخّر كلّ سنة باستمرار بمعدّل احد عشر يوما.

﴿لم يسبق لكتب السيرة ولا الحديث أبدا أن بيّنت أنّ الحساب الذي كان يتّبعه المسلمون زمن النبيء مخالف للحساب الذي كانت تتبّعه بقيّة القبائل العربيّة، وهو ما يدفعنا الى التساؤل كيف يسكت النبيء صلى الله عليه وسلّم طوال هذه المدّة لتصحيح تقويم حساب الأيّام والسنين.؟﴾

كيف تمّ الخلط بين النسيء وبين الشهر الكبيس؟

إنّ آية سورة التوبة حول تحريم النسيء واضحة في معانيها وتحمل علّة التحريم في ألفاظها “ليواطئوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله”. إذن النسيء كان عملا فاسقا يهدف الى تأخير ميقات بعض المناسك التعبّديّة المتعلّقة بالأشهر الحرم التي يحرم فيها الصيد، فيحلّوا بذلك الصيد الذي حرّمه الله تعالى في الشهر الحرام، وذلك عبر نظام “النسيء” أي ارجاء موعد الشعيرة التعبّديّة الى ميعاد لاحق Postponing.

بالرجوع الى تاريخ القبائل العربيّة نجد أنّ النسيء كان نظاما متّبعا لدى بعض القبائل، حيث يعمد زعماء القبيلة الى ارجاء موعد الشهر الحرام بتأخيره إذا ما صادف موعده الأصلي تاريخا لا يحبّذه أولئك الزعماء، ويذكر أستاذ التاريخ بجامعة كمبريدج François de Blois أنّه تمّ العثور على منقوشة في الحفريّات بجنوب الحجاز تعود الى القرن السادس قبل الميلاد (المنقوشة تحمل الرمز التاريخي CIH547) وتتضمّن كتابة باللغة العربيّة القديمة تشير الى اعتراف قبيلتين بالخطيئة لأنّهم لم يؤدّوا القربان للإله في موعده المحدّد، وأرجؤوه الى موعد لاحق، وورد في المنقوشة لفظ “النسيء” وتضمنت المنقوشة أيضا طلبهم المغفرة من الإله وقبوله توبتهم.

النسيء إذن هو ارجاء ميقات الشعائر Postponing وليس تقويم الحساب بإضافة الشهر الكبيس Intercalation وهو مصطلح مأخوذ من اللاتينيّة Intercalaris بمعنى إضافة الأيّام الناقصة لتقويم حساب العام.

من الواضح أيضا أنّ اتّباع الشهر الكبيس مرّة كلّ عامين وثمانية أشهر لا علاقة له بمواطأة عدّة ما حرّم الله ولا يهدف الى إجازة الحرام أو تحريم الحلال، وهي الأوصاف القرآنيّة للنسيء، ومن الواضح أنّ النسيء رجس من عمل الشيطان يهدف الى تفتين المؤمنين في دينهم والتغرير بهم لتأجيل ميقات شعائرهم عن الموعد الذي ضبطه الله.

لقد عرفت الأمم الأخرى نماذج من التعسّف في التحكّم في مواقيت شعائر المتديّنين عبر النسيء وخاصة في الأزمنة التي لم تعرف انتشار الكتابة، وكان تعداد الأيّام بأيدي صفوة من الزعماء تسمّيهم القبائل العربيّة “العدّادون” فيلجؤون إليهم لإخبارهم بميقات الأشهر الحرم، وكانوا يتعمّدون في الغالب مغالطتهم بحسب المصالح والأهواء، فيقدّمون الميقات أو يؤخّرونه، وهذا هو الفسوق الذي حرّمه الله وسمّاه النسيء واعتبره زيادة في الكفر.

هل تأثّر فقهاء المسلمين بالمصطلح العبري للشهر الكبيس؟

ذهب فقهاء المسلمين إلى أنّ المقصود بالنسيء في سورة التوبة هو الشهر الكبيس، فحرّموا العمل به. ولئن ردّ كثير من الفقهاء تاريخ البدء بهذا المنع الى السنة العاشرة للهجرة كما أوضحنا سابقا، فإنّ مؤشّرات تاريخيّة تشير الى أنّ المسلمين زمن الخلافة الراشدة لم يوقفوا العمل بالشهر الكبيس، من ذلك مثلا أنّ كتب التاريخ الإسلامي تجمع على أنّ المسلمين خاضوا معركة اليرموك، وهي معركة فاصلة في المواجهة بين الخلافة الإسلاميّة وبين الإمبراطوريّة الرومانيّة، وقد جرت المعركة يوم 5 رجب 15 هجري قرب نهر اليرموك بالأردن حاليّا. هذه المعركة أرّخها الغربيون بتاريخهم الميلادي - باعتبارها جزء من تاريخهم ومعركة فاصلة بالنسبة اليهم- حيث نجد في الموسوعة البريطانيّة أنّ هذه المعركة جرت يوم 20 أغسطس 636 ميلادي. إذن لدينا التاريخ الهجري 5 رجب 15 هجري يوافق التاريخ الميلادي 20 أغسطس 636 م، ثمّ نجد معركة القادسيّة، وهي معركة فاصلة بين الخلافة الإسلاميّة وبين الإمبراطوريّة الفارسيّة، هذه المعركة بحسب المراجع التاريخيّة الإسلاميّة جرت يوم 13 شعبان 15 هجري أي بعد شهر وثمانية أيّام من معركة اليرموك. الغربيّون لم يهتموّا بتاريخ هذه المعركة مثلما اهتموا بمعركة اليرموك، لذا نجد في المراجع الإسلاميّة الحديثة تقديرا للتاريخ الهجري الثابت لتلك المعركة فيحدّدونه بيوم 16 نوفمبر 636 ميلادي، بينما المفروض أن يكون يوم 13 شعبان 15 هجري موافقا ليوم 27 أو 28 سبتمبر (أيلول) 636 ميلادي، وليس 16 نوفمبر، والسبب في هذا الاختلاف هو أنّ معركة اليرموك أرّخها الغربيّون بتاريخ السنة الميلاديّة المعروفة لديهم، فصادف شهر أغسطس شهر رجب، بينما معركة القادسيّة حدّد المؤرّخون العرب تاريخها الميلادي قياسا على التاريخ الهجري المعتمد زمن الخلافة الراشدة، ولم يأخذوا بعين الإعتبار الشهر الكبيس لأنّهم يزعمون أنّه تمّ إيقاف العمل به منذ السنة العاشرة للهجرة، فجاءت نتيجة حسابهم خاطئة إذ جعلوا الفارق بين المعركتين ثلاثة أشهر بدل شهر واحد.

فما الذي جعل الفقهاء المسلمين يخلطون بين النسيء وبين الشهر الكبيس، بالرغم من أنّ ذلك سيجعلهم في ورطة بجعل التواريخ الإسلاميّة السابقة عن حجّة الوداع خاطئة ومعيبة، كما أسلفنا البيان؟ وهي تواريخ عاشها النبيء نفسه وكان ينزل عليه الوحي خلالها؟

﴿بالرجوع الى التقويم العبري الذي يتّبع أيضا الشهر الكبيس مثله مثل كلّ الشعوب الأخرى التي تزيد أياما أو شهرا، نجد أنّ لفظا في اللغة العبريّة قريبا في النطق من لفظ “نسيء” وهو لفظ “نزي” أو “نشي” معناه باللغة العبريّة “الحبر” ويسمّى أيضا “أميرا” الذي يكون مسؤولا عن مسك الحساب وعدّ أيّام السنة.﴾

ولا نستبعد وقوع فقهاء المسلمين في خلط في المفاهيم بين دور “النزي” لدى بني إسرائيل وبين النسيء الوارد في القرآن الكريم، فذهب الفقهاء الى اعتبار النسيء هو مسك تقويم العام وعدّ الأيّام في زمن لم تكن فيه القراءة والكتابة منتشرتين بما فيه الكفاية، وكان الناس يحتاجون للعدّادين لمعرفة أيّام السنة والشهور. ماذا ترتّب عن الغاء الشهر الكبيس في التقويم الهجري.

أوّل نتائج هذا الإنحراف في الفهم هو أنّ مصطلح “التقويم الهجري” أصبح عديم المعنى، فما هو التقويم المعتمد؟ لا شيء، فالمسلمون عبر قرون يحسبون السنة الهجرية بتمام انقضاء اثني عشر شهرا دون أيّ تقويم أو تعديل Adjustment فما الغاية من اطلاق تسمية “تقويم هجري” والحال أنّه لا وجود لأيّ تعديل الذي كان يفترض أن يحصل بإضافة الشهر الكبيس بصفة دوريّة مرّة كلّ اثنين وثلاثين شهرا؟

﴿ثاني نتائج هذا الإنحراف هو بقاء المسلمين الوحيدين في تاريخ الأمم الإنسانيّة الذين يتّبعون حسابا للسنة يكون أقلّ من دورة الأرض حول الشمس بأحد عشر يوما ممّا يجعل العام الهجري قصيرا ويلغي كلّ ترابط بين الأشهر العربيّة وبين الفصول المناخيّة والزراعيّة.﴾

ثالث الإنحرافات أنّ التقويم الهجري أصبح يعتمد فقط على القمر ، مما أشاع الخطأ في أذهان المسلمين بأنّ العام الهجري هو عام قمريّ بخلاف العام الميلادي الذي هو عام شمسيّ، وأنّ الأشهر العربيّة هي أشهر قمريّة بينما الأشهر الميلاديّة هي أشهر شمسيّة، وهذا خطأ شنيع، لأنّه لا وجود لعام قمريّ، كما لا وجود لشهر شمسيّ !!!، فلا وجود لأيّ ظواهر كونيّة مرتبطة بالشمس تحدث في الشهر حتّى نسمّيه شهرا شمسيّا، كما لا وجود لأيّ ظواهر كونيّة تحدث للقمر كلّ عام، حتّى نسمّيه عاما قمريّا، فالأشهر دائما أشهر قمريّة بما فيها أشهر التقويم الغريغوري، وإنّما تمّت الزيادة في عدد أيام الشهر الى احدى وثلاثين يوما في سبعة أشهر من السنة لتلافي صعوبة رصد الهلال في أروبا المغيّمة دائما بالسحب، زمن الحضارة الرومانية وابان وضع التقويم الغريغوري (يراجع في هذا الصدد الموسوعة البريطانيّة في بيان تاريخ التقويم الميلادي).

رابع الإنحرافات أنّ الله تعالى جعل لنا الشمس والقمر لنعلم بهما عدد السنين والحساب، قال تعالى: “فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” (الأنعام 96). وقال أيضا “هوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ” (يونس 5) فجاء الفقهاء وألغوا الاعتماد على الشمس لحساب السنين، واكتفوا بالقمر الذي يضبط ميقات دخول الشهر وانقضائه، ولا يمكّننا من تقدير ميعاد السنة.

﴿خامس الإنحرافات أنّ رمضان الشهر المقدّس والذي يفترض أنه كان ثابتا زمن حياة النبيء صلى الله عليه وسلّم ـ على الأقلّ الى حدّ السنة العاشرة للهجرة بحسب جمهور الفقهاء ـ أصبح بعد ذلك غير ثابت، ويدور مع كامل فصول العام، شأنه شأن ميعاد الحجّ، وهي مواقيت مقدّسة في شعائر المسلمين.﴾

آثار تغيّر ميقات شهر الصيام وميقات موسم الحج

تثبت أسماء الأشهر العربيّة مدى ارتباطها بالموسم المناخي أو الزراعي في السنة وذلك على النحو التالي:

﴿• شهر محرّم، وكان العرب يسمّونه “صفّر الأوّل” بتشديد حرف الصاد، ويذكر الفقهاء أنّ النبيء محمّد صلّى الله عليه وسلّم هو أوّل من سمّاه “محرّم” للدلالة على الشهر الحرام.﴾

شهر محرّم هو إذن صفّر الأوّل ويليه شهر صفر الذي كان اسمه “صفّر الثاني” ومثلما يتّضح من التسمية، فصفّر تعني الحياد في الحساب، أي لا سلبي ولا إيجابي ومنها العدد “صفر” الذي هو يتوسط بين السلبي والإيجابي، وقد اطلق العرب هذا الإسم على شهرين في العام، تكون فيهما مدّة الليل والنهار متقاربة، وهذا ينطبق على شهري فبراير ومارس من كلّ عام حيث فتر ة استواء الليل والنهار.

• شهر ربيع، وقد أطلق العرب أيضا تسمية ربيع الأوّل وربيع الثاني على شهرين متتاليين إيذانا بفصل الربيع وهذا أكثر التسميات وضوحا بالتصاقها بالموسم المناخي، وهو ما ينطبق على شهري أبريل ومايو.

• شهر جمادى، أطلق العرب كذلك تسمية جمادى الأولى وجمادى الآخرة على شهرين متتاليين يتحوّل فيهما النبات الأخضر الى أصفر يابس إيذانا بالحصاد، فيسمى “جماد” وهذا ينطبق على شهري جوان (حزيران) وجويلية (يوليو).

• شهر رجب، تجمع كتب التاريخ الإسلامي على أنّ العرب كانت تعظّم هذا الشهر، وكانت تقيم فيه أفراحها. كتب التاريخ لم تذكر لماذا تعظّم العرب هذا الشهر من دون البقيّة؟ والسبب واضح للعيان، لأنّه الشهر الذي يلي الحصاد ويكون حارّا جدّا لأنه يوافق شهر أغسطس بحسب مناخ الجزيرة العربيّة، ولذلك يجتمع العرب في قراهم ويقيمون الإحتفالات باعتباره شهر الراحة. وهذه العادة بقيت ممتدّة الى يوم الناس هذا. أمّا من الناحية اللغويّة، فالرجب مشتقّ من رجب الكرم، أي سوّيت سروغه ووضع مواضعه من الدعم والقلال، والرّجب – بضم الراء مشدّدة والجيم الساكنة – يعني لغة ما بين الضّلع والقصّ، أي أنّه من الناحية اللغويّة فهذا اللفظ “رجب” استوعب وصفا دقيقا لعملية فلاحيّة مركّبة بدقّة متناهية تتعلّق بجنى العنب، وهو ما يعكس ثراء اللغة العربية ودقّة دلالات ألفاظها. ومعلوم أنّ موسم جني العنب في الحجاز هو شهر أغسطس/أوت.

• شهر شعبان، والتسمية ترمز الى التشعّب والتفرّق، وقد سمّي بهذا الإسم لأنّ القبائل تتفرّق بحثا عن الماء، وهي عمليّة تحدث بعد انقضاء فصل الحرارة الشديدة التي تذهب بمخزون المياه في مناخ صحراوي، ممّا يضطرّ القبائل الى اخراج دوابها بحثا عن موارد ماء لترتوي منها، وهذا الشهر يوافق اذن شهر أيلول وبداية فصل انقضاء الصيف وحلول الخريف.

• شهر رمضان، وهو الشهر المعظّم لدى المسلمين والذي ورد ذكره في القرآن الكريم، ورمضان مشتقّ من الرّمض، وهو المطر يأتي قبل (بضمّ القاف والباء) الخريف، فيجد الأرض حارّة محترقة، وهذا دليل على أنّ هذا الشهر المبارك يأتي في الخريف أي بما يوافق تقريبا شهر أكتوبر. وفي هذا الشهر من عجائب الصدف البليغة، أنّ موعد الفجر وموعد غروب الشمس يكون متقاربا بين مختلف أصقاع الأرض المأهولة بالناس، سواء بشمال أوروبا وأمريكا أو بجنوب افريقيا وآسيا وبأستراليا، فموعد الإمساك عن الطعام يكون متقاربا وموعد الإفطار كذلك، فلا وجود لنهار طويل ولا لليل قصير جدّا، بما يجعل فترة الصيام متقاربة بين المسلمين مهما كانت الأرض التي يسكنونها.

﴿• شهر شوّال، سمّته العرب كذلك كناية على الإبل حينما يحين موسم الحمل لديها فيقال “شالت الإبل”. وتبيّن الموسوعات العلميّة أنّ بداية موسم حمل الإبل في الجزيرة العربيّة هو شهر نوفمبر.﴾

• شهر ذو القعدة، ويجمع المؤرّخون المسلمون على أنّ العرب سمّت هذا الشهر بذي القعدة لأنّهم كانوا يقعدون فيه على الخروج، ولكن كالعادة لم يبيّنوا سبب ذلك، وما الموجب الذي يبرّر بقاء العرب في بيوتهم وامتناعهم عن الخروج، ويقصد بالخروج السفر سواء للتجارة أو للحرب. حينما نطّلع على رزنامة المناخ بالجزيرة العربيّة نجد أنّ شهر ديسمبر هو بداية اشتداد البرودة والقرّ، ويزداد الأمر شدّة في المناخ الصحراوي، وهو ما كان يفسّر بقاء العرب في منازلهم خلال ذلك الشهر لشدّة البرودة فسموا ذلك الشهر “ذو القعدة”.

• شهر ذو الحجّة، وواضح أنّ التسمية تعود لتنظيم مناسك الحجّ الى الكعبة في ذلك الشهر، اتّباعا لسنّة النبيء إبراهيم عليه السلام، وهذا الشهر حينما يصادف شهر جانفي (يناير) يكون المناخ مناسبا جدّا، فبرودة شهر ديسمبر تنتهي ولا يكون الطقس حارّا، فيطيب للحجّاج المكوث في مكّة، وهم الذين يفدون عليها على إبل ليقيموا تحت خيام أو في العرى، وهي مناسك ما كان لهم أن يمارسوها لو كان الحجّ ينتظم في فترة الصيف الحارّة والتي تفوق فيها الحرارة الخمسين درجة مائويّة.

تمّ إذن الغاء الشهر الكبيس فتزحزحت الشهور العربيّة عن مواقعها وأصبحت تدور مع السنة الشمسيّة وتتداول على فصولها، وقد وجد بعض الفقهاء متعة في ذلك فتباهوا بعظمة الإسلام الذي جعل شهر الصيام يدور مع فصول السنة غير عابئ بأنّ شهر رمضان حينما يصادف الصيف فيمكن أن يشكّل معضلة عويصة للمسلمين المقيمين ببلدان شمال أوروبا وشمال أمريكا حيث تغرب الشمس بعد الحادي عشر ليلا لتظهر ملامح الفجر بعد أقلّ من ساعتين.

كما أنّ من نتائج الغاء الشهر الكبيس أنّ موسم الحجّ أصبح يصادف فصول العام الحارّة والتي يصعب فيها على الحجّاج الوفود على مكّة بوسائل سفر بدائيّة والمكوث فوق رمال صحرائها الحارّة لأداء مناسك الحجّ، ورغم ذلك سنرى عبر التاريخ وقبل التوصّل الى اكتشاف مكيّفات الهواء والسفر المريح عبر الطائرات والحافلات المكيّفة، أنّ المسلمين حافظوا على مناسك الحجّ رغم حدّة المناخ واعتبروا ذلك جهادا للنفس في سبيل الله، لكن بالمقابل فقدت مكّة مركزها الثقافي والإقتصاديّ كعاصمة عالميّة للتجارة وللثقافة، وأصبح موسم الحجّ الذي يصادف فصل الصيف يقتصر على أداء مناسك الحجّ التعبّدية دون تطوير مكّة لتكون مركزا عالميّا للتجارة والثقافة، مثلما كانت عليه قبل الإسلام.

يثور التساؤل هنا، وهو تساؤل لم يقدر فقهاء المسلمين على تقديم إجابة شافية بشأنه، كيف نطلق أسماء ذات دلالة مناخيّة أو موسميّة مرتبطة بالزراعة او بحمل الإبل أو بقدوم مطر الخريف أو باستواء الليل والنهار على أشهر ستدور على كامل السنة، فيصادف شهر ربيع الأوّل فصل الصيف الحار أو فصل الشتاء القارس ويصادف شهر شوّال الذي تحمل فيه الإبل فصولا أخرى في السنة لا تحمل فيها الإبل، وكيف يكون شهر ذو القعدة الذي تقعد فيه العرب عن الخروج موافقا لفصول الربيع وخاصة فصول الحصاد التي يستوجب فيها العمل؟

سيجيب الفقهاء بأنّ العرب أطلقوا تسميات على الأشهر العربيّة في بداية انطلاقهم في اتّباع التقويم العربي فسمّوا الأشهر بحسب الأوضاع المناخية التي صادفتهم في تلك السنة الأولى التي شرعوا فيها في التقويم.

ولا يغيب عن عاقل أن هذا الموقف ضعيف جدّا لأنّ العرب إن حصل لهم - قبل عهد الإسلام - تغيير في مواقع تلك الأشهر لبادروا باطلاق تسميات أخرى للأشهر، أمّا ان حصل التغيير بايقاف العمل بالشهر الكبيس في آخر حياة النبيء على رأي جمهور الفقهاء، لكان النبيء أدرك أنّ الأشهر العربية ستدور عبر مواسم السنة الأربعة ولبادر بتغيير تلك الأسماء التي فقدت دلالاتها بايقاف العمل بالشهر الكبيس.

كيف قدّر الله لنا في القرآن الكريم مدّة مكوث أصحاب الكهف في كهفهم؟

من المفيد أن نبيّن هنا أنّ قصّة أصحاب الكهف في القرآن أوردها لنا الله تعالى ليرشدنا الى كيفيّة بدء البشريّة العاقلة في تعلّم الحساب، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَىٰ لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا

إنّ الأخبار التي يوردها بعض المؤرّخين حول تاريخ حصول هذه الواقعة بعد النبيء عيسى عليه السلام ليست دقيقة ولا شيء يثبتها في التاريخ.

ومن الواضح أنّ الله تعالى في هذه السورة البليغة قد أورد لنا قصّة أصحاب الكهف ليبيّن لنا كيفيّة تعلّم أولئك القوم للحساب، (لنعلم أيّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا) بمعنى كان الناس زمن رقود أصحاب الكهف على بيّنة من أمرهم، وكانوا ينتظرون موعد بعثهم من جديد، وهو أمر نستنتجه من معنى الآية المشار إليها، فالله يخبرنا أن الناس كانوا يحصون عدد الأيّام انتظارا لخروج أصحاب الكهف من كهفهم، وهذا يفترض أنّ مدّة مكوثهم بالكهف كانت معلومة بالنسبة الى أولئك القوم، وليس مستبعدا أن يكون أحد الأنبياء أنبأهم بمدّة بقائهم بالكهف الذي كانوا يعرفونه، ولكنهم لا يستطيعون الإقتراب منه، لأنهم لو اطّلعوا عليهم في الكهف لولّوا منهم فرارا ولملّئوا منهم رعبا، كما عبّر عن ذلك القرآن ” وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا”

كان هناك فريقان (حزبان) يحصيان المدّة التي سيلبث فيها أصحاب الكهف في كهفهم قبل بعثهم من جديد، فريق سيكون حسابه صحيحا وهو الذي يعتمد على الحساب الشمسي/القمري Lunisolar Calandar، وفريق آخر سيكون حسابه خاطئا، وهو فريق قد يكون متعدّدا، لأنّ الحقّ دائما واحد والخطأ متعدّد، ولذلك عبّر القرآن بأنّ بعثهم كان للإعلام أيّ الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا.

هذا إذن هو اطار قصّة أصحاب الكهف، فالمقصد القصصي والله أعلم، هو بحسب اعتقادنا كان تعليم حساب عدد الأيّام والسنين، وذلك بالعدّ انطلاقا من بدء من حدث كبير يبقى عالقا بأذهان الناس، وهو حدث أصحاب الكهف في عجز الناس عن التطلّع اليهم وهم رقود في الكهف. وستبقى هذه السنّة راسخة لدى شعوب الإنسانيّة كافّة، فهم يؤرّخون بدء بحادثة خارقة أو بارزة بقيت منحوتة في الضمير الجمعي للأمّة.

يقول الله تعالى في معرض اعلامنا بمدّة مكوث أصحاب الكهف في كهفهم” وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا. لماذا لم يقل الله “ثلاث مائة وتسع سنين؟” أليس من المصادفة أنّ زيادة التسع كناية على زيادة تسع سنين لإكتمال عدّة ثلاثمائة سنة، لأنّ السنة التي تكتمل بنهاية اثني عشر شهرا تبقى ناقصة، وفقا للحساب الفلكي، عشرة أيّام وتسعة آلاف وخمسمائة وخمسة وسبعين جزء من اليوم (10,9575 يوم)، فإذا ضربنا هذا العدد في ثلاث مائة سنة يكون النقص في عدد الأيّام ثلاثة آلاف ومائتين وسبعة وثمانين يوما وخمسة وعشرين جزء من اليوم (10,9575x300=3287,25) هذا العدد يمثّل بالضبط تسع سنين (3287,25/365,25=9)، في تقديرنا - والله أعلم - نرى أنّ الله تعالى أرشدنا الى وجوب زيادة تسع سنين على حساب الثلاثمائة لتستقيم عدّة المدّة التي لبث فيها أصحاب الكهف في كهفهم، بتمام انقضاء ثلاثمائة سنة كاملة.

الخلاصة

ما أطرحه في هذا المقال يبقى جهدا بشريّا قابلا للخطإ وللصواب، ولكن من خلاله أستحثّ عقول المسلمين كي ينتبهوا ويزيلوا عنهم غشاوة التسليم الهادئ السليم لكلّ ما ورد في كتب التاريخ الفقهي من تفاسير وعدم الإغترار بمقولة أنّى لك أن تكتشف ما لم يكتشفه الجهابذة الأوّلون من السلف الصالح، فأنا أطرح موقفا للتفكير وبودّي أن يتمّ التحقيق فيه دون تعصّب لفكرة مسبّقة، وليكن منهج البحث موضوعيّا بحثا عن الحقيقة المجرّدة عبر دحض كلّ فرضيّة قابلة للدحض لتبقى النظريّة الأسلم قائمة بذاتها.

رمضان شهر سمّاه الله تعالى في القرآن العظيم، وربطه بحدث عظيم وهو نزول القرآن ” شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ” فهو شهر عظيم في دين الإسلام وفيه ليلة القدر التي قال عنها الله تعالى أنها خير من ألف شهر، فهل يعقل أن يبقى المسلمون سائرين على حساب خاطئ زمن النبيء الى حدود العام العاشر للهجرة كي يتفطّنوا الى أنّ الشهر الكبيس هو النسيء وهو زيادة في الكفر فيعمدوا الى الغاء العمل به؟ أيّهما أقرب الى معنى الحديث المنسوب الى النبيء في حجّة الوداع ” إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان” هل يستقيم المعنى بأن يتمّ تثبيت الشهر وفقا لميقاته الذي يربطه بالفصل المناخي في العام أم نجعل الشهر يدور على كامل فصول السنة؟ أليس بمثل ذلك الدوران سيختلّ توازن الزمان عن هيئته يوم خلق الله السماوات والأرض؟، وهذا عكس ما ذهب اليه المفسّرون، الذين زعموا أنّ الزمان كان مخالفا للهيئة التي خلق الله عليها السماوات والأرض بسبب الشهر الكبيس الذّي فهموه خطأ أنّه النسيء، حتّى انّهم أصبحوا يتحدّثون عن “الشهر النسيء” بينما الآية الكريمة في القرآن ورد فيها فقط “النسيء”.

الأستاذ أكرم الزّريبي