في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كان القرآن المكّي يقسّم الناس إلى قسمين: مؤمنين وكافرين..
وساهم في وضوح المفهومَين في وعي المؤمنين، قدرةُ النبي (ص) على استيعاب العدد القليل من المؤمنين، ومرافقتهم وتعليمهم وتربيتهم عن قرب..
وحين توسّعت دائرة الداخلين في الاسلام في العهد المدني، أصبح من الصعب استيعاب الجميع بنفس الدرجة من المرافقة والتعليم والصحبة والتربية.. فظهرت آثار ذلك خصوصا عند الأعراب المقيمين خارج المدينة.. واستمر الوضع يتفاقم إلى أواخر النبوة، في السنة 9 للهجرة، حين نزل القرآن محذّرا بعض الأعراب من ضعف فهمهم للإيمان.. في سورة الحجرات:
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا، وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ، بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17).
وحينها، أصبحت هناك ثلاث دوائر: مؤمنين، ومسلمين، وكافرين.
بمعنى أن القرآن لم يعد يكتفي ببيان معنى الإيمان ومعنى الكفر فقط.. وإنما أضاف سؤالا جديدا: ما هو الإيمان “الحقيقي” (الصادق)، والإيمان “غير الحقيقي”؟
ولكنه لم يُخرج دائرة الإيمان “غير الحقيقي”، من الدائرة الأكبر، دائرة الإسلام، ولم يعتبر المؤمنين غير الحقيقيين (الذين لمّا يدخل الإيمان في قلوبهم) عائدين إلى دائرة الكفر.. بل أبقاهم في دائرة الإسلام.. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)..
وهذا يعني، أن القرآن حريص على إدخال الناس إلى دائرة الإسلام الواسعة. ثم على تربيتهم وتعليمهم كي يدخلوا في الدائرة الأخص، دائرة الإيمان.. وعند العجز عن ذلك، لا يتم طردهم من دائرة الإسلام الواسعة، وإعادتهم إلى دائرة الكفر. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
ولم يحدث الانحراف التاريخي، إلا حين تعاطت جماعاتُ الخوارج، وورَثتُها من جماعات التكفير المعاصر، مع سؤال “ما هو الإيمان الحقيقي؟” على أنه تكفير.. بمعنى من دخل دائرة الإسلام، ولم يصبح مؤمنا حقيقيا، يخرج ثانية من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر.. وتوسعوا في ذلك لدرجة تكفير الناس لمجرد الخلاف في قضية التحكيم السياسي، وفي حكم مرتكب الكبيرة.
وكل ما نراه الآن في خطاب جماعات التكفير المعاصر، هو مواصلة في نفس نهج الانحراف الذي يريد العودة إلى دائرتين اثنتين فقط: إيمان حقيقي، كفر.. بحيث لا يقبلون وجود ثلاث دوائر: إيمان (حقيقي)، إسلام، كفر.