لم يصلنا من خطب الرسول (ص) سوى عدد قليل منها.. لا تتجاوز 50 خطبة.. ولا يوجد دليل في نصوصها على أنها كانت خطب جمعة، ما عدا واحدة أو اثنتين.. البقية رويت بصيغة “خطب فينا رسول الله فقال”… وهذا يعني أنه وقف فيهم وخاطبهم واعظا.. هنا ثلاث خطب نبوية رويت في كتب السيرة.. أطولها لا تتجاوز 5 دقائق.. وأقصرها خطبة لا تتجاوز دقيقتين..

لاحظوا أنها ثلاث خطب في أول قدومه على المدينة بعد الهجرة.. حسب منطقنا، كانت فرصة للنبي (ص) للحديث لأول مرة أمام جمهور غفير من أتباعه.. وهذا لم يحصل له منذ أن أصبح نبيا، طوال 13 سنة.. يعني أنه كان يستطيع إشباع نهمه الشخصي في الحديث ومخاطبة الناس والإطالة في طرح القضايا والأفكار الرئيسية لرسالته، والتذكير بالآيات، إلخ. ولكنه بدل ذلك، اكتفى بمواعظ لا تتجاوز 2-5 دقائق..

السؤال: يا خطباء، يا متعلمين بتاع المدارس، منين جاتكم شهوة الحديث لمدة نصف ساعة، أو 45 دقيقة أو 60 دقيقة؟

يا أخي، فكوا عن الناس من ثرثرتكم، واقتدوا بالنبي (ص) ولا تطيلوا لدرجة دفع الناس للنعاس، أو التثاؤب، أو الضجر، أو التململ، أو حرق الأعصاب !!

الخطبة 1 (5 فقرات فقط)

خطبة النبى فى أول جمعة صلاها بالمدينة فى بنى سالم بن عمرو بن عوف:

“الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره وأستهديه، وأومن به ولا أكفره، وأعادى من يكفره وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل.

من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدا، وأوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى.

وإنه تقوى لمن عمل به على وجل ومخافة من ربه، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذى بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوى بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرا فى عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك يود لو أن بينه وبينه أمدا بعيدا، ويحذركم الله نفسه والله رؤف بالعباد.

والذى صدق قوله، وأنجز وعده، لأخلف لذلك فإنه يقول تعالى: { ما يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد } واتقوا الله فى عاجل أمركم وآجله فى السر والعلانية فإنه { من يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا} {ومن يتق الله فقد فاز فوزا عظيما} وإن تقوى الله توقى مقته، وتوقى عقوبته، وتوقى سخطه.

وإن تقوى الله تبيض الوجه، وترضى الرب، وترفع الدرجة، خذوا بحظكم ولا تفرطوا فى جنب الله قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله ليعلم الذين صدقوا وليعلم الكاذبين فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه وجاهدوا فى الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينة ويحى من حى عن بينة ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله واعملوا لما بعد الموت فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه ما بينه وبين الناس ذلك بأن الله يقضى على الناس ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلى العظيم».

الخطبة 2 (فقرتان فقط)

أول خطبة خطبها رسول الله حين قدم المدينة: حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:

“أما بعد: أيها الناس فقدموا لأنفسكم، تعلمنّ والله ليُصعًقنّ أحدكم، ثم ليدعَنَّ غنمه ليس لها راع، ثم ليقولَنَّ له ربه - ليس له ترجمان ولا حاجب يحجبه دونه - ألم يأتك رسولى فبلغك، وآتيتك مالا، وأفضلت عليك، فما قدمت لنفسك؟ فينظر يمينا وشمالا فلا يرى شيئا، ثم ينظر قدَّامه فلا يرى غير جهنم، فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل، ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإن بها تجزى الحسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. والسلام على رسول الله ورحمة الله وبركاته”.

الخطبة 3 (3 فقرات فقط)

ثم خطب رسول الله مرة أخرى فقال:

“أإن الحمد لله أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

إن أحسن الحديث كتاب الله، قد أفلح من زينه الله فى قلبه وأدخله فى الإسلام بعد الكفر واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا من أحب الله، أحبوا الله من كل قلوبكم ولا تملوا كلام الله وذكره ولا تقسى عنه قلوبكم فإنه من يختار الله ويصطفى فقد سماه خيرته من الأعمال، وخيرته من العباد، والصالح من الحديث ومن كل ما أوتى الناس من الحلال والحرام . فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا واتقوه حق تقاته واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم وتحابوا بروح الله بينكم إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته”.