سورة الأنبياء سورة مكية، نزلت بعد سورة إبراهيم، وآياتها مائة واثنتا عشرة آية. تعالج الموضوع الرئيسي الذي تعالجه السور المكية — موضوع العقيدة — من خلال بيان ثلاثة أمور مترابطة: توحيد الله عز وجل، وطبيعة النبوة والوحي، والبعث بعد الموت.
والسورة تسير على نمط واحد تقريبا من بدايتها إلى نهايتها: تصف خطاب الأنبياء ودعوتهم لأقوامهم إلى الإيمان بإله واحد لا شريك له، وكيف كانت عبادتهم وتبتّلهم لربّهم، لتوصلنا في النهاية إلى تأكيد وحدة رسالة كل الأنبياء.
المطلع: صدمة اليقظة من الغفلة
بدأت السورة بمطلع قوي يهزّ الغافلين هزّا. الحساب يقترب وهم في غفلة، والآيات تُعرض عليهم وهم معرضون عن الهدى:
﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَـٰبُهُمْ وَهُمْ فِى غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ..﴾
ثلاث آيات متتالية تحذّر من مرض الغفلة واللامبالاة وعدم الاكتراث. وهذا يشير إلى أن أولى مهمات الأنبياء هي الدعوة إلى الانتباه واليقظة، وإزالة الغفلة باعتبارها سبب ضلال الناس في كل زمان ومكان، ولأنها سبب ضياع الرسالات السابقة.
الذِّكر بمعنى الوحي
يلفت الانتباه في هذه السورة ورود لفظ “الذِّكر” بمعنى “الوحي” في أكثر من عشر مرات. منها:
﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾
﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾
﴿هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ﴾
﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾
جميع هذه الإشارات تفيد بأن الذِّكر المقصود هو الوحي بمعنى الكتب السماوية، خلافا لما يفهمه بعض الصوفية من أن الذِّكر المقصود هو التسبيح والثناء على الله، وأن “أهل الذِّكر” هم الصوفية ومشايخهم. فأهل الذِّكر حسب سياق الآيات يُقصد بهم الأنبياء وأتباعهم بلا استثناء.
القدوة في الفهم والحركة والحياة
السورة تشير إلى ناحيتين مضيئتين من حياة كل نبي: طاعته وعبادته وخشيته لله، ثم دعوته وإصلاحه في قومه. وكأنها تقول: هؤلاء هم المثل الأعلى في حسن التعامل مع الله وفي حسن التعامل مع الناس — في العبادة والدعوة.
ومن ذلك أن السورة تصف بوضوح قيمة الدعاء في حياة الأنبياء وكيف استجاب لهم ربّهم. فنقرأ عن نوح عليه السلام:
﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾
ثم عن أيوب عليه السلام:
﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾
ثم عن يونس (ذي النون) عليه السلام الذي دعا ربّه وهو في بطن الحوت:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
ولاحظوا أن الآية لم تقتصر على ذكر استجابة الله لدعاء يونس، بل عمّمت الإجابة على كل المؤمنين: ﴿وَكَذٰلِكَ نُنجِـى ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثم عن زكريا عليه السلام:
﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾
هذه الأجواء من عبادة الأنبياء ومناجاتهم لربّهم كان يعقبها كلمة واحدة مشتركة: ﴿فَٱسْتَجَبْنَا لَهُ﴾. ومن يعرف العربية يدرك أن استعمال حرف الفاء في ﴿فَٱسْتَجَبْنَا﴾ يفيد التعقيب السريع وسرعة استجابة الله لدعاء الأنبياء.
وحدة الرسالة النبوية
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾. والخطاب هنا، بعكس ما يظنه كثير منا، ليس موجّها للمسلمين فقط، وإنما للبشرية جمعاء. فالأمة المقصودة هي البشرية باعتبارها أمة واحدة، أمة جميع الأنبياء. وكل نبي كان له دور في بناء الدين، ليأتي خاتم الأنبياء ويكمل البناء.
وقد جاء في الحديث الصحيح: “مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا فَأَحْسَنَهَا وَأَجْمَلَهَا وَأَكْمَلَهَا، إِلاَّ مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فِي زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا. فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ البُنْيَانُ، فَيَقُولُونَ: أَلاَ وَضَعْتَ هَهُنَا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم: فَأَنَا مَوْضُعُ اللَّبِنَةِ. جِئْتُ فَخَتَمْتُ الأَنْبِيَاءَ” (رواه مسلم والبخاري والترمذي).
الختام: تحذير وبشارة
كما بدأت السورة بخطورة مرض الغفلة، جاءت آياتها في الختام شديدة تهزّ القلوب: ﴿يَوْمَ نَطْوِي ٱلسَّمَاءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾. تخيّلوا السماء وهي تُطوى كما يُلَفّ كتاب. ثم التأكيد الرباني: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ، وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَـٰعِلِينَ﴾.
الأرض للصالحين
النقطة الأخيرة: السورة تؤكد أن الأرض هي أرض الأنبياء وأتباعهم، لأن الله قرّر أن يورثها إليهم. وبالتالي فالأرض ليست أرض الفراعنة والطغاة والجبارين:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِن بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّـٰلِحُونَ﴾
وكأنّ الآية تقول لأتباع الأنبياء: اقتدوا بأنبيائكم لترثوا الأرض وتُستخلَفوا عليها. والآية التي بعدها توضّح المعنى: ﴿إِنَّ فِي هَـٰذَا لَبَلَـٰغاً لّقَوْمٍ عَـٰبِدِينَ﴾. وكأنها تحدّد الأمر الذي يحقّق وراثة الأرض بشكل حتمي: العبادة الخالصة والطاعة الكاملة، وحمل همّ الدعوة وإبلاغها للناس.