لرمضان فضل كبير عن سائر الشهور. يقول الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾. فيه أُنزل القرآن، هذا الكتاب الذي يمثل محصّلة الرسالات السماوية جميعاً، والذي حكى قصة النبوة وتجاربها على مدى تاريخ البشرية.
المؤمن وارث الأنبياء
المؤمن بالقرآن الملتزم بتعاليمه يقف على قمة تجربة الأنبياء مع أقوامهم: في الصبر والتحمل، والإيثار والرحمة، والعفو والإحسان. هو يمتلك ميراث جميع الأنبياء وينضمّ إلى قافلتهم، ويمتلك كل ما أرسله الله من خطاب وتوجيهات للبشرية، ابتداءً مما أُنزل في الصحف الأولى وانتهاءً بالرسالة الخاتمة. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾.
بالقرآن ينضمّ المسلم إلى قافلة الخلود التي ابتدأت مع بدء الخلق، ويمتد به الخلود حتى الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين. كل هذا كان مدخله شهر رمضان.
شهر الكتب السماوية كلها
ورد في الحديث أن رمضان هو الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء. روى أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “أُنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأُنزلت التوراة لستّ مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان”.
القرآن: آخر وثيقة سليمة
حقيقة لا بد من التذكير بها: القرآن هو الخطاب الإلهي الأخير للبشرية، وأقدم وثيقة تاريخية دينية وصلت بالتواتر ـ أي بما يفيد علم اليقين بسلامة النقل من جيل إلى جيل. هذا يعني أن المسلمين هم الوحيدون في العالم الذين يمتلكون النص الديني السليم من التحريف والتبديل، بل الوحيدون الذين يمتلكون معيار التصويب والتصحيح لما وقع تحريفه في النبوات السابقة.
امتلاك هذا النص يفوق كل كنوز الدنيا، لأنه الرابط الوحيد المتبقي بين السماء والأرض. وهو يمنح المسلمين القدرة على إنقاذ البشرية ويضعهم في محل القيادة والشهادة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.
البعد الثاني: شهر الفرقان
لم يتميز رمضان فقط بنزول القرآن، بل تميّز أيضاً بأن ملامح الحضارة الإسلامية تشكّلت في غالبها فيه، وأن المنعطفات التاريخية الكبرى كان محلّها رمضان. أبرزها بعد نزول القرآن: معركة بدر.
سمّاها القرآن يوم الفرقان: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. والقرآن نفسه سمّى نفسه بالفرقان. في ذلك دلالة عميقة: القرآن نزل فرقاناً بين مرحلتين في تاريخ البشرية العام ـ بين الخرافات والجاهليات من جهة، ونور الإيمان والعطاء الحضاري من جهة أخرى. ومعركة بدر كانت فرقاناً على مستوى التاريخ الإسلامي الخاص، حيث بدأت خطوات دولة الإسلام العملية.
دروس بدر
أهل بدر هم الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: “لعل الله اطّلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”. وهم الذين قال فيهم: “اللهم إن تَهلك هذه العصابة فلن تُعبد في الأرض”. فلم يُرجع النبي يديه من الدعاء إلا والملائكة تنزل مدداً: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾.
من أبرز سمات بدر تلاشي الفروق العصبية: التقى بالسيوف الأخ مع أخيه والقريب مع قريبه، أحدهما ينصر الله والآخر ينصر قوميته. الفاروق عمر اقترح على النبي أن يمكّنه من قتل قريبه، في مشهد يُجسّد انتصار رابطة الإيمان على رابطة الدم.
ثم إن القرآن لم يُجمّل الصورة: صوّر تردد بعض الصحابة وخوفهم: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾. وصوّر خلافهم حول الغنائم حتى كادت تُفسد ذات بينهم، فنزعها الله منهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾.
ومن أجمل مشاهد بدر: شابان من الأنصار حديثا السن، وقف أحدهما عن يمين عبد الرحمن بن عوف والآخر عن شماله، فسأله كل منهما: يا عمّ، هل تعرف أبا جهل؟ فلم يَنشب أن رآه فأشار إليهما، فابتدراه بسيفيهما حتى قتلاه. عظيم من عظماء قريش يُقتل على يد شابين صغيرين.
السؤال المعلّق
أين نحن من تلك الطموحات؟ ماذا سجّلنا لأمتنا؟ وما مدى صلتنا بتاريخنا، تاريخ المسلمين الأوائل الذين غيّر الله بهم وجه التاريخ؟
نحتاج إلى عناصر إسلامية عالمية المستوى تستطيع أن تصل إلى عقول الناس وضمائرهم. ولا يمكننا أداء رسالتنا ونحن دون المستوى في فهم إسلامنا، ودون المستوى في فهم سيرة رسولنا، ودون المستوى في الاستفادة من تجارب الجيل الأول، ودون المستوى في فهم عالمنا المعاصر والتأثير فيه.