لا أعلم أنّ الله أكرم عباده في هذه الحياة بنعمة — بعد نعمة الإيمان — أجلّ وأعظم من الكتاب الذي أنزله عليهم: خطابًا وتشريفًا وتعليمًا وتهذيبًا. لم يُتوَّج الإنسان بتاج أجلّ من هذا الخطاب الذي أهّله الله له ولم يكن لذلك أهلًا من قبل.

أوّل معاني الشكر: أن تعرف الكتاب

أوّل ما يقتضيه شكر هذه النعمة أن يتعرّف الإنسان على كتاب ربّه: فيتلوه، ثم يتدبّره، ثم يعمل به.

﴿واتلُ ما أُوحي إليك من كتاب ربّك لا مبدّل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدًا﴾

بل جعل الله تلاوة القرآن بديلًا عن قيام الليل لمن لم يستطعه: ﴿فاقرؤوا ما تيسّر من القرآن﴾ — كرّرها مرّتين في آية واحدة. الذي يواظب على وِرد من القرآن يقوم مقام التهجّد إن لم يُتَح له ذلك.

﴿أنتم عنه معرضون﴾

لكن كيف كان موقف الإنسان تجاه هذا الشرف؟

﴿قل هو نبأ عظيم * أنتم عنه معرضون﴾

ليت هذا العتاب لم يكن ينطبق علينا، فنقول إنّ المقصود أناس خلوا من قبلنا. لكنه ينحطّ أوّل ما ينحطّ علينا نحن المسلمين في هذا العصر.

قال صلى الله عليه وسلم: «من قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها. لا أقول ألم حرف، بل ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف».

وقال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده».

ولمّا سأل أبو ذرّ النبيَّ أن يوصيه قال: «عليك بتقوى الله فإنها رأس الأمر كله». قال: زدني. قال: «عليك بتلاوة القرآن فإنه نور لك في الأرض وذُخر لك في السماء».

على الرغم من كل هذا — أنظر إلى واقع المسلمين فأجدهم معرضين عن كتاب الله. إعراض استخفاف، إعراض نسيان.

أصناف المعرضين

  • الشباب المتّجهون إلى الله: هؤلاء أكثرهم يُقبلون على القرآن، وفيهم من يسعى لحفظه. هؤلاء الاستثناء.
  • الطبقة المترفة: صلتهم بالقرآن تكاد تكون معدومة. لا يطرق سمعَهم إلا في جلسة عزاء أو حفل أو عبر التلفاز. يحتاج أحدهم أن يسأل: هل هذه آية أم حديث؟
  • المسؤولون والنخبة: وهم الأحوج إلى كتاب الله — أبعد الفئات عنه.

المشكلة الأخطر: الإسلام الفكري بديلًا عن الإسلام التعبّدي

كثير ممّن يُسمَّون “الإسلاميين” اليوم ينظرون إلى الإسلام على أنه فكر يُقارَع به الفكر الآخر. فالإسلام عندهم أفكار تواجه أفكار العلمانيين والليبراليين والاقتصاديين. يتعاملون مع القرآن ليجمعوا منه حُججًا لنقاشاتهم، فإذا انتهت المهمّة نُسي القرآن.

لكن أين الجذع؟ أين العبودية لله، والتبتّل على أعتاب الله، والذلّ بين يديه؟ هذا هو جذع الإسلام الذي يتفجّر منه الأحكام والسلوك والتشريع. ذُوِّب هذا الجذع وحلّ محلّه “الفكر الإسلامي”.

وكلمة “الفكر” ملتزمة التزامًا شديدًا بالإنسان — الإنسان هو الذي يفكّر. فإذا ترسّخت العلاقة بين الإسلام والفكر في أذهاننا، فسيأتي يوم نعتقد فيه أنّ الإسلام ثمرة اعتصارات فكرية بشرية، لا وحي إلهي.

﴿واذكر اسم ربّك وتبتّل إليه تبتيلًا﴾ — أصبحت هذه الآية غريبة عن مجتمعاتنا. أين الذين يذكرون الله ويتبتّلون إليه تبتيلًا؟

العودة إلى الكتاب

النتيجة واضحة:

أولًا: أن نصحو إلى هذا الانحراف. الإسلام ليس مجرّد فكر يُناقَش، بل عبودية تُعاش.

ثانيًا: أن نعود إلى كتاب الله — معرفةً وتلاوةً وتدبّرًا وعملًا.

﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتّبع رضوانه سُبُل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾

هذا هو مفتاح النصر. لا يزال بين أيدينا. فلنحمله ولنتشرّف به، ولنجعل صلتنا بالله عن طريق خطابه إلينا.