دين مكتمل وواقع متخلف

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾

حين نتدبر هذه الآية ونقارنها بممارستنا اليومية، على المستوى الفردي والجماعي، نزداد إيمانا بأحقية الإسلام في توجيه الحياة: من المعاملات مع النفس، إلى البيت والحي، إلى السوق والمؤسسة، إلى الدولة والعلاقات الدولية.

ننظر حولنا فنرى عجز المناهج الوضعية عن بلوغ الصيغة المثلى للحياة. وعلى العكس مما يُخيَّل للبعض، فإن مرور الزمن يجيء لصالح هذا الدين، لإعلان مصداقيته في سائر شؤون الحياة. المستقبل للإسلام، رغم كل المتغيرات التي يشهدها العالم.

الحكمة الإلهية في التفاصيل

الحكمة الإلهية تبدو في كل مفردة إسلامية: في الأمر والنهي، في الحلال والحرام، في المندوب والمباح والمكروه، في التشريع والعبادات والآداب والمعاملات. والشواهد تُعَدّ بالمئات في كل دائرة: العبادات، الأخلاق الاجتماعية، السياسة، الاقتصاد، التربية والتعليم. لكن لنتحدث عن دائرة واحدة: الممارسات الاجتماعية.

لا تكاد آداب الإسلام تترك صغيرة ولا كبيرة في مجرى الحياة إلا ورسمت لها المعالم، بأقصى درجات المرونة والاستقامة والشفافية والرحمة.

مفارقة مؤلمة: الغرب يطبّق ما تركناه

مما يميز الحياة الاجتماعية الغربية تلك السلوكيات اليومية التي أصبحت أمرا مألوفا لا يكاد يُهمله أحد: التحية الودودة، كلمتا “شكرا” و”آسف” المعلقتان على الشفاه، البسمة الحانية، الالتزام المتأصل بقيم النظافة، التعاون العفوي لإماطة الأذى عن طريق الناس.

والمؤلم أن هذه السلوكيات التي تمنح الحياة الغربية قدرا من الضوء، هي نفسها التي كان هذا الدين قد منحنا إياها وألزمنا بها. وهي نفسها التي نقضناها عروة عروة في عصور تخلفنا، حتى بلغت حياتنا الاجتماعية القعر.

في آداب الطعام مثلا، نكاد نلتقي بما يسميه الغربيون “الإتيكيت” وما ترسمه تعاليم الكتاب والسنة: البدء باسم الله، تناول الطعام باليمين، إفساح المكان للآخرين، تجنب الإسراف في الولائم.

وفي آداب الطريق، الذي يكاد اليوم في واقعنا أن ينقلب إلى ساحة للقذارة وانعدام الذوق، نلتقي بتلك المفردات المتألقة: “إماطة الأذى”، “إفشاء السلام”، “الكلمة الطيبة”، “البسمة الودود”، الإحسان إلى الآخرين، الرحمة بالضعيف، الاحتشام في التعامل بين الجنسين.

بل الأدهى أننا نحن الذين نعيش بين الغربيين لم نستطع أن نتخلق بأخلاقهم، وحافظنا على الكثير من السلوكيات الرديئة من سبّ ولعن وكراهية وتدافع واستهتار بحقوق النفس والغير.

التخلف ليس بسبب الإسلام

تخلّفنا اليوم حقيقة واقعية مرّة. لكن ما علاقة واقعنا المتخلف بالإسلام؟ هل الإسلام سبب تخلفنا؟

أساس تخلفنا يأتي من تخلّفنا عن الإسلام. حين حوّلناه في نفوسنا إلى أسماء بلا مسميات وشعارات خاوية من الروح. تخلّفنا حين تخلّينا عن حقائق الإسلام وإن تمسكنا بمظاهره وبعض تقاليده. ولذلك زال عنا التمكين في الأرض، وأعطى الله هذا التمكين للغرب طبقا للسنن الكونية.

ولا يعني هذا التمكين أفضلية النموذج الغربي، فالنهضة الغربية نهضة ناقصة منحرفة: تفوّق علمي وتكنولوجي كاسح إلى جانب فساد خلقي مدمّر للفطرة الإنسانية. وهذا التمكين يجري بسنّة من سنن الله: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾، وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾.

هذه الآيات تبيّن أن التمكين والسيطرة لا يمنحان شهادة صلاحية لأي حضارة، لأن الله يمكّن للمفسدين رغم فسادهم، بينما لا يمكّن للمسلمين إلا إذا استقاموا على الطريق.

الواجب: الارتفاع إلى مستوى الإسلام

واجبنا أن نرتفع بأنفسنا وواقعنا إلى مستوى الإسلام، في التزامنا السلوكي والفكري والروحي والاجتماعي. أن نقوّي وعينا الديني والسياسي، ونطوّر قدراتنا على التمييز بين الحق والباطل، حتى نؤدي واجب الشهادة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.

هذا الواجب فرضه الله بعد أن أكرمنا بكمال الدين وتمام النعمة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.