في حديث واحد جامع، وضع النبي صلى الله عليه وسلم خريطة كاملة لما يصنع الائتلاف بين القلوب وما يُدمّره. أخرج البخاري ومسلم:

«إيّاكم والظنّ فإنّ الظنّ أكذب الحديث. ولا تحسّسوا ولا تجسّسوا ولا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبِع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره. التقوى ههنا — ويشير إلى صدره ثلاث مرّات. بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه. إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».

أحد عشر نهيًا لبناء الجماعة

١. الظنّ السيّئ: أكذب الحديث

﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرًا من الظنّ إنّ بعض الظنّ إثم﴾

الأصل أن يؤوّل المسلم مواقف إخوانه على أحسن الوجوه. قال صلى الله عليه وسلم: «التمس لأخيك سبعين عذرًا». وقال عمر بن الخطاب: “لا تظننّ بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا”.

٢-٣. التحسّس والتجسّس

التحسّس: الاستماع لأحاديث الناس. التجسّس: البحث عن العورات. كلاهما يملأ الصدور بالضغائن.

٤. الحسد

تمنّي زوال النعمة عمّن هي عنده. وهو في جوهره سخط على الله في فضله واعتراض على قسمته:

﴿أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله﴾

الحاسد يغتمّ بنعمة غيره ويفرح بمصيبته:

﴿إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيّئة يفرحوا بها﴾

٥. النَّجْش

أن يزيد في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها. مبدأ أخلاقي في المعاملات التجارية.

٦. التباغض

لا تفعلوا أسباب البغضاء: السبّ والسخرية والغيبة والنميمة. ومقياس الحبّ والبغض ينبغي أن يكون الإسلام لا الدنيا: «من أحبّ لله وأبغض لله فقد استكمل الإيمان».

٧. التدابر

التهاجر والتقاطع. قال صلى الله عليه وسلم: «لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ، يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».

٨. البيع على بيع الأخ

ألّا يقول لمن اشترى سلعة في مدّة الخيار: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك أفضل.

٩-١١. لا ظلم، لا خذلان، لا احتقار

المسلم لا يظلم أخاه بقول أو فعل أو ترك. ولا يخذله حين يستعين به في دفع الظلم. ولا يستصغره لعلمه أو سنّه أو ماله أو منصبه. فالاحتقار منشؤه الكبر، والنبي قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر».

التقوى ههنا

“ويشير إلى صدره” — نظر الله إلى القلوب والأعمال لا إلى الصور والأموال. الإيمان أصله في القلب وثمرته على الجوارح. فإن كان المرء نقيًّا من الغشّ والضغينة أقبل الله عليه برحمته. وإن كان محصورًا في مطامعه ضائقًا بخير الله عند خلقه — فهيهات أن يصحّ له عمل أو ينجح له أمل.

الجماعة المسلمة: حبّ مشترك لا مجرّد تجاور

المسلم الحقّ إنسان تمتدّ مشاعر حبّه فتغمر ما حوله. والجماعة المسلمة الحقّة تقوم على الودّ المشترك والتعاون المتبادل:

﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًّا للذين آمنوا ربّنا إنك رؤوف رحيم﴾

أمّا من يعيش في خصومة ويملأ قلبه حقدًا فإنّ ذلك يشلّ إيمانه. والشيطان الذي يئس أن يُعبد بين المصلّين لم ييأس من التحريش بينهم. قال صلى الله عليه وسلم: «إنّ الشيطان قد يئس أن يعبده المصلّون في جزيرة العرب ولكنّه لم ييأس من التحريش بينهم».

سلامة الصدر: ثمرة الإيمان وطريق الجنة

عن أنس بن مالك قال: كنّا جلوسًا عند النبي فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة». فلمّا قام تبعه عبد الله بن عمرو لينظر عبادته فلم يجده كثير نافلة، فسأله عن سرّ شهادة الرسول له. فقال: “ليس منّي إلا ما رأيت، غير أنّي لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إيّاه”.

هذا هو الجوهر: لا الإكثار من النوافل بالضرورة، بل نظافة القلب من الغلّ والحسد. ولذلك حرّم الله الحسد والحقد والغيبة والنميمة، وأمر بالإيثار والتعاون والمحبّة — ليكون ذلك شفاءً للصدور.