في الصحيحين عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: «ثلاثٌ من كُنّ فيه وَجَد بهنّ حلاوة الإيمان: أن يكون اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبّه إلا لله، وأن يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يُقذف في النار.»
هذا الحديث يستحق وقفة طويلة، لأنه يلفت الانتباه إلى حقيقة الإيمان في الإسلام. وقد لخّصها النبي ﷺ في أربع نقاط تدور كلها حول المحبة: حب الله تعالى، وحب النبي ﷺ، وحب المؤمنين، وكراهية العودة إلى الكفر — أي حب القيم التي جاء بها الإسلام.
الإيمان حبّ — لكن أيّ حب؟
ليس هذا النص الوحيد الذي يربط الإيمان بالحب. في صحيح مسلم عن العباس بن عبد المطلب أن النبي ﷺ قال: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا.» الرضا والحب. ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البقرة: 165). وفي سورة المائدة: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (المائدة: 54).
لكنّ السؤال: هل هذا الحب واحد في شكله وتجلّياته؟
حب الله: عبادة واعتراف
حب الله حبّ عبادة، حبّ اعتراف بنعمه، حبّ طاعة وامتثال لأوامره واجتناب لنواهيه. يقول النبي ﷺ في حديث رواه الترمذي والحاكم: «أَحِبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبّوني لحبّ الله، وأحبّوا أهل بيتي لحبّي.»
هذا حبّ يتجلّى في الصلاة والسجود والذكر والتسبيح والتفكّر في أسمائه وصفاته.
حب النبي: اتّباع ونُصرة
حب النبي ﷺ حبّ إيمان واتّباع وتوقير ونُصرة. وهو متفرّع عن محبة الله — لا يمكن لمن أحبّ الله ألا يحبّ رسوله. يقول تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف: 157). وفي آل عمران: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (آل عمران: 31).
هذا حبّ يتحقق باقتفاء هديه والصلاة عليه وتوقيره.
حب المؤمنين: خدمة وتعاون
وهنا تتّضح الأبعاد العملية للإيمان. حبّ المؤمنين حبّ خدمة وتعاون ومصاحبة ومشاركة وولاء. يقول النبي ﷺ في حديث صحّحه الألباني:
«أحبّ الناس إلى الله تعالى أنفعُهم للناس، وأحبّ الأعمال إلى الله عز وجل سرورٌ يُدخله على مسلم، أو يكشف عنه كُربة، أو يقضي عنه دَينًا، أو يطرد عنه جوعًا. ولأن أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ أحبُّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرًا» — يعني مسجد المدينة.
ثم يُكمل: «ومن كفّ غضبه ستر اللهُ عورته، ومن كظم غيظه ولو شاء أن يُمضيه أمضاه ملأ اللهُ قلبه رجاءً يوم القيامة. ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيّأ له أثبت اللهُ قدمه يوم تزول الأقدام. وإنّ سوء الخلق يُفسد العمل، كما يُفسد الخلُّ العسلَ.»
الإسلام حبّ بالفعل
الإسلام في حقيقته دعوة للحبّ — ليس بالمشاعر فحسب، وإنما من خلال الممارسة والسلوك والفعل.
- حبّ الله يكون من خلال عبادته.
- حبّ النبي ﷺ يكون من خلال اتّباعه.
- حبّ المؤمنين يكون من خلال نفعهم وخدمتهم.
- حبّ قيم الإسلام يكون بكراهية الظلم والشر وكل الأمور القبيحة، وحبّ الحق والعدل والخير والجمال.
من الحبّ إلى التطوع
هذا الفهم يقود مباشرة إلى مسألة التطوع في حياة الجماعة المسلمة. إدارة شؤون الجماعة وتنظيم أنشطتها والتفكير في خدمات جديدة — كل ذلك يتطلب التزام أكبر عدد ممكن من الأشخاص.
المتطوع إنسان يلتزم بملء إرادته بعمل منظّم لخدمة الآخرين. وكل واحد لديه ما يكفي من المبررات ليكون متطوعًا: لأن التطوع علامة حبّ المؤمنين كما ورد في الحديث، ولأنه دليل تعاون وتضامن، وفرصة ليكون المرء نافعًا وعنصرًا إيجابيًا، وفرصة أيضًا للشعور بلذة الأخوة في الله.
المتطوع يريد أن يُعطي معنى لحياته داخل الجماعة، ويريد أن يعيش تجربة تساهم في تقوية شعوره بالانتماء. وكل واحد منا يحتاج أن يكون هذا المتطوع. وفي المقابل، كل واحد يرغب في رؤية جودة الخدمات وتطوير نمط الحياة في الجالية — ولن يتحقق ذلك إلا إذا ساهم كل فرد بجزء من وقته وطاقته.