﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 7-8).

حين سمع صعصعة بن معاوية — عمّ الفرزدق — هذه الآية من فم النبي ﷺ، قال: «لا أبالي ألّا أسمع غير هذا. حسبي، حسبي.» وأعلن إسلامه. وفي صحيح البخاري عن حذيفة بن اليمان: «كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يُدركني.» وقال عمر بن الخطاب: «من لم يعرف الجاهلية لا يعرف الإسلام.»

امتحان الحياة الدنيا مداره على مفهوم الخير والشر. وهو من أهم المواضيع التي تستحق التأمل العميق.

ما الخير؟

توجد تعريفات عديدة: «الخلوّ من الشر»، «الابتعاد عن الشر»، «العجز عن الشر»، «مخالفة الشر». خلاصتها أنها تعتبر الخير مجرد امتناع عن شيء آخر — وهذا جزء من الحقيقة لكنه ليس كلّها.

التعريف الأدقّ ذكره عباس محمود العقاد في كتابه إبليس:

«الخير هو القدرة على الحُسن مع القدرة على القبح، وفعل الحسن مع القدرة على القبيح، وإرادة الحُسن مع القدرة على القبح.»

ثلاثة أبعاد: الفعل الحسن، والقدرة عليه، وإرادته. وقد وجدت لهذا التعريف مصداقًا في حديث صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة: «من همّ بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة. ومن همّ بحسنة فعملها كُتبت له عشرًا إلى سبعمائة ضعف. ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تُكتب. وإن عملها كُتبت.»

لاحظ: مجرد الهمّ بالحسنة — أي إرادتها — يُكتب خيرًا، حتى لو لم يُنفّذ.

ما الشر؟

أفضل تعريف وجدته هو تعريف عالم النفس الأمريكي سكوت بيك (Scott Peck):

«الشر هو أن يستخدم شخصٌ السلطة والنفوذ والقوة لتدمير النموّ الروحي للآخرين، بهدف الدفاع أو الحفاظ على السمعة والمكانة في أنانية مريضة.»

باختصار: البحث عن كبش فداء. والكبش يُختار دائمًا من بين الضعفاء لا الأقوياء. لكي يمارس الشخص شرّه، يحتاج أن يكون في موقع قوة يسمح له بالسيطرة على ضحيته.

هل نميّز دائمًا بين الخير والشر؟

في كثير من الأحيان نستطيع التمييز، على الأقل نظريًا. لكنّ الأمر قد يلتبس، فنرى الشيء ونظن فيه خيرًا بينما يستبطن شرًّا، والعكس كذلك:

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 216).

﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (النور: 11).

﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (النساء: 19).

هذا الالتباس جزء من حكمة الله وإرادته، لأنه جزء من الابتلاء: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (الأنبياء: 35). والنبي ﷺ نبّه إلى أن الكلمة الواحدة قد تُكتب بها رضوان الله أو سخطه إلى يوم القيامة، دون أن يعلم صاحبها مبلغها.

أصول الشر في السلوك الإنساني

أربعة أمور يمكن اعتبارها جذور الشر: الغضب، والحسد، والكبر، والكذب.

الغضب مفتاح كل شر — لأنه يؤدي إلى الإيذاء والظلم والعدوان والسخرية. حين سأل رجلٌ النبي ﷺ: أوصني — قال: «لا تغضب.» فردّد مرارًا، قال: «لا تغضب.» وقال ذلك الرجل لاحقًا: «ففكّرت حين قال رسول الله ما قاله، فإذا الغضب يجمع الشر كلّه.»

وسُئل النبي ﷺ عن أفضل الناس فقال: «كل مخموم القلب صدوق اللسان.» قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «التقيّ النقيّ الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا غلّ ولا حسد.»

وقصة عبد الله بن عمرو مع الرجل الذي بشّره النبي ﷺ بالجنة — لم يكن كثير صلاة ولا صيام، لكنه قال: «لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشًّا، ولا أحسد أحدًا على خير أعطاه الله إياه.» فقال عبد الله: «هذه التي بلغت بك، وهي التي لا نُطيق.»

الشر الخفي: حين نزرع ما ننهى عنه

النقطة الأخطر: قد نزرع بذور الشر في أقرب الناس إلينا — في الطفل، الزوج، الصديق — من حيث لا نشعر. كيف؟

حين يكون سلوكنا متناقضًا. حين نرسل رسائل سلوكية متعارضة. حين نقول ما لا نفعل. حين ننهى الطفل عن الغضب ثم يرانا في نوبات غضب عاتية. حين ننهاه عن الكذب ثم نكذب أمامه. حين ننهاه عن الضرب ثم نضربه.

كل تناقض سلوكي هو بذرة شرّ خفية:

  • حين ندفع شخصًا إلى الكذب خوفًا أو طمعًا، فنحن نرتكب شرًّا أكبر من كذبه.
  • حين نستفزّه وندفعه للغضب بدون مبرر، فنحن مسؤولون عن بذرة الشر.
  • حين لا نعامله بإنصاف، نزرع فيه الشعور بالظلم وندفعه لممارسته على الآخرين.
  • حين نعامله بالقسوة والتأنيب، يتعلّم العناد والشعور المفرط بالذنب.
  • حين لا نشجّعه، نقوده إلى فقدان الثقة بالنفس.
  • حين نعامله بسخرية، يتعلّم الانطواء.
  • حين نعامله بعداوة، يتعلّم الكراهية.

كل هذه الممارسات شرّ غير ظاهر، لأنها تزرع في الآخرين بذور الشر — وتحصل في كل أنواع العلاقات: بين الكبير والصغير، بين الرجل والمرأة، بين الحاكم والمحكوم، بين الأستاذ والتلميذ، بين الجماعة والفرد.

مفاتيح الخير ومفاتيح الشر

يقول النبي ﷺ: «إنّ من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر، ومن الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير. فطوبى لمن جعل الله مفتاح الخير على يديه، وويلٌ لمن جعل مفتاح الشر على يديه.»

ويقول ﷺ: «إنما العلم بالتعلّم، وإنما الحِلم بالتحلّم. ومن يتحرَّ الخير يُعطَه، ومن يتّقِ الشر يُوقَه.»

الخير والشر ليسا قدرًا محتومًا — بل هما اختيار يُبنى بالتعلّم والممارسة والقدوة.