ليست حلمًا بعيدًا
يقول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133]، ويقول: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: 21].
من منّا لا يحبّ أن يربح الجنة في نهاية المطاف؟ لكنّ الله لا يريدها مجرّد أمنية نتطلّع إليها دون جهد، بل يريد منّا أن نسعى إليها وأن تكون حياتنا كلّها حركة نحوها: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].
الله يدعونا إلى المسارعة والمبادرة لاغتنام كلّ فرصة تقرّبنا إلى الجنة: في كلمة نقولها، في موقف نقفه، في موقع نكون فيه. وإذا أردنا أن ندخل في سباق مع الآخرين، فلا يكن سباق أنانية أو مطمع، بل سباقًا في الوصول إلى الجنة بالإيمان والعمل الصالح.
نام طالبها ونام هاربها
لعليّ كرّم الله وجهه وصف حال الغافلين وصفًا بليغًا: “ألا وإني لم أرَ كالجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها.”
حين يوقظك أحد لصلاة الفجر تفضّل النوم. وحين يدعوك أحد إلى عمل في سبيل الله تفضّل الراحة. لأن مسألة الجنة في نظر الكثيرين مؤجَّلة. أما مسألة النار فمعجَّلة: نحن نبادر إلى جمع الحطب الذي نحترق به — نغتاب المؤمنين ونفتن بينهم، ونعاون الظالمين ونؤيّد المنحرفين — ولا نعرف أن النفس أمّارة بالسوء.
حُجبت الجنة بالمكاره
قال النبي صلى الله عليه وسلم: “حُجِبت النار بالشهوات، وحُجِبت الجنة بالمكاره.” هذا الحديث من جوامع الكلم. بلاغته في ذمّ الشهوات رغم ميل الأنفس إليها، والحثّ على الطاعات وإن شقّت على النفوس.
الإسلام رسالة تسمو بأتباعها. والارتقاء صعب يحتاج قوّة وإرادة، بينما الانحدار يسير. لكن حين يعلم الإنسان أن في القمّة ما يتمنّاه من العيش الرغيد، يهون عليه ما يلاقيه في الصعود.
ولماذا حُفّت الجنة بالمكاره؟ يجيب القرآن: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]. الحياة امتحان لصدق الإيمان: هل يتغلّب المؤمن على المغريات والمخاوف ويمضي في تحمّل التكاليف؟ ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214].
وفي حديث خلق الجنة والنار أن الله أرسل جبريل إلى الجنة فلمّا رآها قال: “وعزّتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها.” فأمر بها فحُفّت بالمكاره، فرجع وقال: “وعزّتك لقد خفت ألّا يدخلها أحد.” ثم أرسله إلى النار فقال: “وعزّتك لا يسمع بها أحد فيدخلها.” فأمر بها فحُفّت بالشهوات، فرجع وقال: “وعزّتك لقد خشيت ألّا ينجو منها أحد إلا دخلها.”
موقف الإسلام من الشهوات: الوسط
الإسلام لم يصادم الشهوات ولم يتجاهلها، ولم يُطلقها بلا قيد. حين حرّم أشياء عوّض بما يماثلها من المباحات: حرّم الزنا وأحلّ الزواج، حرّم الربا وأحلّ التجارة، حرّم الخمر وأحلّ أنواع الشراب.
والقرآن يعترف بالغرائز: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]. لكنّه يوضح أنها من المتع الزائلة، ويقول بعدها: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 15].
الجنة في قلوب السلف
الجنة هي الفوز الحقيقي: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185].
كانت الجنة في قلوب السلف شعلة تحرّكهم. روى مسلم أنه في بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: “قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض.” فقال عُمير بن الحُمام: جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: نعم. قال: بخٍ بخٍ! قال النبي: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا والله إلا رجاء أن أكون من أهلها. قال: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات كان يأكل منها وقال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة. فرمى بها ثم قاتل حتى قُتل.
هذا المشهد يتكرّر في سير الصحابة بكثافة لا مثيل لها في تاريخ أيّ نبيّ مع أتباعه. كان الإيمان بالجنة عندهم ليس تصديقًا نظريًّا، بل وقودًا يوميًّا يحرّك حياتهم بأكملها.