ثمة أزمة صامتة تُصيب المسلم حين تتحوّل عبادته إلى عادة. يأتي إلى صلاة الجمعة بحكم الروتين، يستمع ثم ينصرف، لا يعنيه ما سمع ولا يُغيّر فيه شيئًا. والأخطر من ذلك أنه لا يشعر بالمشكلة.
إسلام مغطّى بالركام
إسلامنا الذي نؤمن به أصبح مغطّى بركام من الجهل والنسيان والأهواء والتفسيرات الفاسدة. بيننا وبين هذا الدين حجاب، ونحن قد اكتفينا منه ببعض أجزائه وجوانبه. نحضر للصلاة — مبكّرين أو متأخّرين — وقد نسمع بقلوبنا أو بأجسادنا فقط. أما الإسلام بوصفه رسالة شاملة — عقيدة وعبادة وأخلاقًا ونظامًا — فقد غاب من حياتنا وألِفنا شيئًا سواه.
التجديد: حاجة وجودية لا ترف فكري
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدّد لها دينها». التجديد هنا ليس اختراع دين جديد، بل رفع الركام عن الدين كما أنزله الله، ليتّصل المؤمن بحقيقته خالصة.
وهذا التجديد لا يقتصر على المجدّدين الكبار. كلّ واحد منا مطالَب بأن يجدّد إيمانه. يقول صلى الله عليه وسلم: «إنّ الإيمان ليَخلَق في جوف أحدكم كما يَخلَق الثوب، فاسألوا الله أن يجدّد الإيمان في قلوبكم».
الإيمان يبلى كما يبلى الثوب. هذا اعتراف نبوي بأن التراجع طبيعي، لكن البقاء فيه ليس كذلك.
الموت الحقيقي ليس البيولوجي
المسلم الذي فقد إيمانه ميّت، والمجتمعات التي فقدت إيمانها ميّتة. ليس هذا مجازًا عاطفيًا، بل وصف قرآني دقيق:
﴿أوَمن كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مَثَلُه في الظلمات ليس بخارج منها﴾
“كان ميتًا”: كان جاهلًا، غافلًا، ضالًا. “فأحييناه”: بالإيمان. “وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس”: نور القرآن والهداية، يضيء لصاحبه الطريق حين يضلّ الناس، ويضيء للناس حين يطلبون النور.
﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يُحييكم﴾
إيمان حيّ لا إيمان لفظي
لو سأل أحدنا أخاه: هل أنت مؤمن؟ سيجيب: نعم. لكنّ السؤال الحقيقي ليس عن الادّعاء بل عن الأثر. الإيمان المطلوب هو الذي يترك بصمته في القلب والعقل والسلوك والحياة:
﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وَجِلت قلوبهم وإذا تُليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربّهم يتوكّلون * الذين يقيمون الصلاة وممّا رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقًّا﴾
الإيمان يتجسّد خشيةً في القلوب، وعبادةً واعية، وبذلًا في سبيل الله. ليس عنوانًا نحمله بل حركة نعيشها.
﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾
ما بعد الصحوة المؤقتة
المشكلة ليست في غياب لحظات الصحوة. كثيرًا ما نستمع إلى خطبة أو محاضرة فيتّقد شيء في داخلنا، نعد الله بالعودة — ثم تمرّ الساعات والأيام وكأننا ما سمعنا شيئًا. هذه الانفعالات المؤقتة وحدها لا تكفي. إذا استيقظت القلوب فلا بدّ أن نحتفظ لها بيقظتها. إذا ارتفعنا فعلينا ألّا نترك أنفسنا نهبط إلى الحضيض.
﴿يا أيها الذين آمنوا آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نُزِّل على رسوله﴾
الخطاب هنا للذين آمنوا — فكيف يُقال لهم: آمِنوا؟ أي: داوموا واثبتوا، مهما كانت الظروف. فالإيمان ليس لحظة بل مسار.
الابتلاء كاشف لا عائق
﴿ألم * أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون * ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين﴾
﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولمّا يأتكم مَثَل الذين خلوا من قبلكم مسّتهم البأساء والضرّاء وزُلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إنّ نصر الله قريب﴾
الطريق ليس سهلًا، والابتلاء ليس عقوبة بل كاشف. يكشف الصادق من الكاذب، والثابت من المتزعزع. والمطلوب مؤمنون يصدق فيهم:
﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلًا﴾