السيرة ليست قصة ماضية
سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تحتوي على مواقف ودروس عملية تخرجها من الإطار القصصي الذي يعرض تاريخا مضى منذ أربعة عشر قرنا، لتحولها إلى معنى يتحرك مع الحياة ويرتبط بالحقيقة التي لا تتجمد في حدود الزمن. ودراسة السيرة واجبة لأنها تشكل التطبيق العملي للقرآن الكريم. قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾.
الدرس الأول: الثقة تُبنى قبل الرسالة
لأي رسالة عنصران أساسيان يحددان مدى تأثيرها: شخصية حاملها، ومضمونها الفكري والروحي. وقد لا يكفي في بداية الطريق أن تكون للرسالة قوة المضمون، ما لم تدخل إلى وجدان الناس من خلال الشخصية الروحية لحاملها.
هذا ما اجتمع في الإسلام: طبيعة الرسالة، وشخصية محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. فقد بُعث بالرسالة بعد أن أعطى النموذج الأكمل للسلوك الإنساني قبل النبوة. تميّز بصفتي الصدق والأمانة حتى أصبحتا من علاماته الشخصية التي يُنادى بها: “الصادق الأمين”.
في حادثة إعادة بناء الكعبة قبل البعثة، اختصمت القبائل أيّها تفوز بشرف رفع الركن إلى موضعه وأعدّوا للقتال. لكنهم رضوا بتحكيمه وقالوا لما رأوه: “هذا الأمين، رضينا، هذا محمد”. فأخذ الركن ووضعه في ثوب وقال: لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا.
وحين صعد الصفا ونادى قبائل قريش وسألهم: “أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، أصدّقتموني؟” قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك كذبا. هذه الشهادة لم تأتِ من فراغ، بل من تاريخ شخصي كامل يوحي بالثقة.
وتجلت أمانته أيضا في أن أهل قريش كانوا يستودعون لديه أماناتهم حتى بعد إعلان الرسالة. ولذلك حين عزم على الهجرة كلّف عليا بردّ الأمانات إلى أصحابها.
الأمانة تمثل الامتداد النفسي والعملي للمسؤولية. ولهذا تحدث القرآن عن المسؤولية من موقع الأمانة: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾.
ما نستفيده اليوم من هذا الموقف
حين نريد الارتباط بشخص على مستوى الدين أو السياسة أو الاجتماع، لا يكفينا أن ننظر إلى حاضره فقط. لا بد من دراسة ماضيه لأن ذلك يلقي الضوء على مدى توفر الجدية والإخلاص. وعلى هذا الأساس قام علم الجرح والتعديل وعلم تراجم الرجال اللذان حفظا سنة النبي من التحريف عبر الأجيال.
وليس المقصود أن نحكم على الناس بماضيهم حكما حاسما، بل أن ندخل التاريخ الشخصي في حسابنا عند تقييم الشخصيات.
والخلاصة: أن الله حين يرسل نبيه لا يرسله إلا بعد أن يمكّنه من تجسيد النموذج الحي للإنسان الأمثل، حتى لا يجد الناس في تاريخه ما يهز الثقة به. وقد سُئلت عائشة عن خلقه فقالت: “كان خلقه القرآن”. وفي هذا درس لنا: إذا أردنا الدعوة إلى الله فعلينا أن نربّي أنفسنا على قيم الرسالة ونجعل من أنفسنا النموذج الحي قبل أن نبدأ الدعوة.
الدرس الثاني: الرسالة فوق المحبة الشخصية
كان النبي يتمتع بثقة الناس المطلقة ومحبتهم قبل الرسالة. لكنه لم يفكر بالاحتفاظ بهذه المحبة على حساب الرسالة حين جاءته بأفكار ومفاهيم تتحدى ما يحمله الناس من عقائد وأعراف.
حين فكّر في المحافظة على محبة قومه جاءه التصويب الإلهي. وعن علي بن أبي طالب أن النبي قال: “عرفت أني إن بادأت بها قومي رأيت منهم ما أكره، فصمتّ. فجاءني جبريل فقال: يا محمد، إن لم تفعل ما أمرك به ربك عذبك بالنار”.
وحين تكررت مشاهد صدّ المشركين وإصراره المقابل على التبليغ، قال قولته المعروفة: “يا عمّ، لو وُضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهلك في طلبه”.
عاش الغربة بأقسى أنواعها في قومه وقبيلته بعد أن كان من أحب الناس إليهم. وتحولت تلك الكلمات الرقيقة التي كان يسمعها منهم إلى سباب وشتم واتهام بالكذب والسحر والجنون.
الدرس العملي لنا
هذا الدرس نحتاجه في وعينا العملي: حين تواجهنا مواقف تتحدى فينا رغبتنا في الحفاظ على محبة الناس واستلطافهم لنا. النبي يعلّمنا أنه حين يتعلق الأمر بالرسالة، لا مكان للمصالح الذاتية والمشاعر الشخصية، لأن القضية تتجاوز الفرد لمصلحة الإنسان الحقيقية.
حين نعلن إيماننا برسالة الإسلام نتحول إلى أناس رساليين لا يعيشون لأنفسهم بل يعيشون لأمتهم من خلال الرسالة التي يدعون إليها.