الدعاء من أكثر المفاهيم حضورا في القرآن الكريم، إذ ورد ذكره في نحو ثلاثمائة موضع. ومع ذلك، كثيرا ما يُختزل في عبارات تُردّد بلا وعي، أو يُحصر في صيغ مأثورة دون إدراك لجوهره العميق. ما الدعاء حقا؟ وما وظيفته في بناء علاقة الإنسان بربه؟ وما مواضيعه التي ينبغي أن يتناولها؟
تعريف الدعاء الصالح
يمكن تعريف الدعاء الصالح بأنه: رجوع العبد المؤمن الفقير إلى مولاه الغني — الذي لا يحتاج إلى شيء، ويحتاج إليه كل شيء — بالتوسّل الخاشع، والتوكّل الواعي، وطلب العون على تحصيل مطلب يعجز بذاته عن الوصول إليه، بغض النظر عما إذا كان هذا الدعاء مأثورا أو غير مأثور، ما دامت معانيه وألفاظه متفقة مع الإطار العقدي الإسلامي، في غير تكلّف أو تعسّف.
هذا التعريف يلفت الانتباه إلى ثلاثة عناصر جوهرية: تعريف الدعاء ووظيفته في العلاقة بين المؤمن وربه، والتنبيه إلى أن صيغة الدعاء قد تكون صالحة وقد تكون فاسدة، وأن الدعاء الصالح قد يرد في المأثور وفي غير المأثور.
الدعاء هو العبادة
حقيقة الدعاء تتلخص في ثلاثة أمور مترابطة: هو إقبال العبد على الله، والإقبال على الله هو روح العبادة، والعبادة هي الغاية من خلق الإنسان.
يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات: 56). وفي الحديث عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ الدُّعَاءَ هُوَ العِبَادَةُ”، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60). ومعنى “الدعاء هو العبادة” كما قال العلماء: أي جلّها ومعظمها.
وظيفة الدعاء في البناء العقدي
يكتسي الدعاء أهمية بالغة في الإسلام لكونه وسيلة ناجعة لتزكية النفس وتهذيب السلوك الأخلاقي على المستويين الفردي والجماعي. كما أنه وسيلة من وسائل تعليم المفردات الإيمانية والعقائدية، واستدعائها في وعي المسلم وإدراكه، واستحضار معاني التوحيد والتوكل، وتعميق الإحساس بالعبودية لله وحده. وهو أيضا عامل مساعد في توجيه الأمة وتبصيرها، وعلاج مشاكلها وأمراضها.
مواضيع الدعاء الأربعة
باستقراء الأدعية الواردة في القرآن والسنة، نجد أن الدعاء لا يخرج عن أربعة مواضيع رئيسة:
- حمد وتسبيح وثناء على الله وتعداد لنعمه
- صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم
- سؤال الله من خير الدنيا
- سؤاله من خير الآخرة
يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلُُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (النساء: 32). وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ” (رواه الترمذي).
وفي الحديث القدسي الذي رواه مسلم: “يا عبادي! كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم. يا عبادي! كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. يا عبادي! كلكم عار إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم”، ثم يقول: “يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر”.
ترتيب الدعاء
ورد في حديث فضالة بن عبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يدعو في صلاته دون أن يحمد الله أو يصلّي على النبي، فقال: “عَجِلَ هَذَا”، ثم قال: “إَذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَبْدَأْ بِتَمْجِيدِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ يَدْعُو بَعْدُ بِمَا شَاءَ” (رواه أحمد والترمذي والحاكم).
ومن سؤالات الدنيا المضمَّنة في الأدعية المأثورة: طلب الهداية، وزيادة العلم، والنصر على الأعداء، والاستعاذة من الشرّ، وطلب الرزق والذرية، والدعاء بالصبر والرشد والاستقامة والثبات على الدين، وصلاح الأهل والذرية، ومكارم الأخلاق وصفاء القلب، وتسهيل التكليف وقضاء الديون، وتفريج الكرب والهموم.
ومن سؤالات الآخرة: طلب المغفرة، والاستغفار للوالدين، وحسن العاقبة، وطلب الجنة، والاستعاذة من النار.
الدعاء لا يتقيّد بلفظ ولا بلغة
الدعاء — بوصفه عملا روحيا — لا يمكن تقييده بأي قيد من زمان أو مكان أو لفظ، ولا بأية لغة أو صيغة أو نص. يخطئ من يظن أن الدعاء لا يُقبل إلا بصيغ مأثورة فقط، لأن الألفاظ تعبير عن مكامن الضمير وسرائر الوجدان، والنية الواحدة قد تصاغ بأشكال مختلفة وتؤدّى بأساليب متنوعة.
لذلك فإن أفضل الدعاء: “مَا جَرَى عَلَى لِسَانِكَ”. وما دام الداعي متأدبًا مع ربّه، مُظهِرا حالة الافتقار إلى الله تعالى، فله أن يدعو بأي لفظ شاء، وبأي لغة عرف وتعلّم ونطق، وله أن “يَتَخَيَّر مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ” كما ورد في صحيح البخاري.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أَرْبَعٌ أَفْضَلُ الْكَلاَمِ، لاَ يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ” (رواه ابن ماجة وأحمد).
وفي حديث آخر رواه أحمد: جاء رجل إلى النبي فقال: يا رسول الله، إني لا أستطيع أخذ شيء من القرآن، فعلّمني ما يُجزئني. قال: “قُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ”. قال: يا رسول الله، هذا لله عزّ وجلّ، فما لي؟ قال: “قُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَعَافِنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي”. فلما أدبر وهو ممسك كفّيه، قال النبي: “أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلأَ يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ”.
الدعاء الجامع
ورد في السنة دعاء جامع لكل خير في الدنيا والآخرة: عن أبي أمامة قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا. قلنا: يا رسول الله، دعوت بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئا. فقال: “أَلاَ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ؟ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا سَأَلَكَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا اسْتَعَاذَ مِنْهُ نَبِيُّكَ مُحَمَّدٌ. وَأَنْتَ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْكَ الْبَلَاغُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ” (رواه الترمذي وابن ماجة).