المقاصد الكبرى التي خُلق الإنسان من أجلها تتلخّص في ثلاثة: التوحيد والتزكية والعمران. التوحيد لبّ العبادة وأساسها، والتزكية هدفها ومقصدها، والعمران مرآة التوحيد وثمرة التزكية.
هذه المقاصد تغطّي ثلاث دوائر: التوحيد يمثّل غاية العلاقة بين الإنسان والخالق، والتزكية تمثّل غاية العلاقة بين الإنسان وذاته، والعمران يمثّل غاية العلاقة بين الإنسان والكون المحيط به.
شعب الإيمان: خارطة التزكية
في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: “الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً. فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ”.
تتبّعتُ تقسيم شعب الإيمان في كتب العلماء فوجدت أربعة اهتمّوا بالموضوع تفصيلًا: ابن حبّان (ت 354 هـ) حصرها في 69 شعبة، ثم البيهقي (ت 458 هـ) في كتابه “شعب الإيمان” الذي يُعدّ أهمّ مرجع إلى اليوم وحصرها في 77، ثم عبد الجليل القصري الأندلسي (ت 608 هـ) في 74 شعبة، وأخيرًا عبد السلام ياسين في “المنهاج النبوي” الذي أعاد ترتيب شعب البيهقي ضمن منهج تربوي.
الملاحظة المركزية: التزكية جماعية بالضرورة
ما لاحظته أنّ التزكية تشكّل أكثر من نصف شعب الإيمان، وأنّ أغلب هذه الشعب لا تتحقّق إلا من خلال التفاعل الجماعي. الأمر ليس اختياريًّا: الحبّ في الله، والأمر بالمعروف، والتعاون على البرّ، والإصلاح بين الناس، والرفق والحلم، والصدق، والأمانة، وحسن الخلق، وإسداء النصيحة، وإكرام الجار والضيف، وسلامة القلب من الحسد والحقد، وطلب العلم وتعليمه، وعمارة المساجد، وبرّ الوالدين وصلة الرحم، والتواصي بالحق والصبر، والدعوة إلى الله، والرحمة بالضعفاء، وتوقير أهل العلم، والزكاة والصدقة، والعفو عن المسيء، وردّ السلام، وعيادة المريض…
كلّ واحدة من هذه الشعب تتطلّب وجود آخرين. المؤمن المنعزل لا يستطيع أن يمارس أكثر من نصف إيمانه.
﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾
يُروى أنّ عمر بن الخطاب أو عبد الله بن عباس كان يخرج إلى السوق كلّ يوم بلا نيّة بيع ولا شراء. يمرّ على الناس يلقي السلام فيردّون عليه. سُئل: نراك في السوق كلّ يوم لا تبيع ولا تشتري؟ فأجاب بما معناه: أحبّ رؤية المسلمين، ألقي عليهم السلام ويردّون عليّ بأحسن منها، فيحصّل كلٌّ منا أجرًا يدّخره ليوم القيامة، وتنتشر رحمة الله بين الخلق.
هذا وعي عميق: اللقاء اليومي بالمسلمين ليس ترفًا اجتماعيًّا بل عبادة. كلّ مصافحة وكلّ سلام وكلّ ابتسامة هي ممارسة لشعبة من شعب الإيمان.
المنطق الفقهي: ما لا يتمّ الواجب إلا به فهو واجب
إذا كانت ممارسة شعب الإيمان واجبًا، فإنّ توفير الفضاءات التي تسهّل هذه الممارسة يصبح واجبًا. بناء المساجد والمراكز ليس مجرّد مشروع عقاري، بل بنية تحتية للتزكية.
كلّ واحد منا بحاجة إلى الآخرين كي يمارس إيمانه. العلاقة بالآخرين هي الميدان الحقيقي الذي يمكّن المؤمن من تحقيق إيمانه وزيادته. والإسلام الفردي المنغلق، مهما بلغت عبادة صاحبه، يظلّ إسلامًا ناقصًا لأنّه يعطّل أكثر من نصف شعب الإيمان.