ما وراء الظواهر

تحدثنا مرارا عن الكوارث التي تصيب المسلمين في عصرنا، وتأملنا في مظاهرها، وربطنا الأسباب بالمسبّبات ضمن دائرة ما تراه حواسنا. لكننا كثيرا ما نفتقر في أحاديثنا إلى اختراق هذه الظواهر إلى ما وراءها، لنقف على من يحرّك الكلّ ويسوس هذا العالم كما يشاء.

كثيرا ما نرى مظاهر الظلم والفتن والطغيان، ولا نتذكر أنها صور ونتائج لتدبير مدبّر. نرى حركة الجنود ولا نتجاوزها لنقف على حكمة الله الذي قرّر سُنّة كونية ننساها دائما:

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251]

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: 65]

سؤال الحكمة

قد يتساءل المرء: ما الحكمة وراء ما نراه من ظلم؟ وأيّ فضل يتمثل في أن يسلّط الله شرار خلقه على المسلمين؟

المؤمن في مثل هذا المقام ينطلق من الثقة التي هيمنت على قلبه بعد أن آمن بالله حكيما رحيما. الله حين يخطّط وحين يبعث لتنفيذ خططه جنودا من عباده — طغاة أو فاسقين — لا يُطلعنا على تفاصيل الخطة ومراميها، لكنه يُرينا نتائجها ويُطلعنا على سننه في عباده.

ليس السؤال عن كيفية جريان الحكمة سؤال المرتاب في الله. العبد الذي هيمن على قلبه الإيمان يقود نفسه، حين يقرأ هذه الآيات، إلى مزيد من الالتزام.

قانون لا يحابي أحدا

المسلم يعلم أن هذه المحن مصدرها من الله الخالق الحكيم، وليست فتنا يهيمن بها عدو شرقي أو غربي. العين قد ترى الجند والوسائل، لكن البصيرة لا ترى إلا الله.

ولله سنن ينفّذها في عباده أيّا كانوا. ما وقع ببني إسرائيل هو ذاته الذي يمكن أن يقع بالمسلمين للأسباب نفسها:

﴿وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: 4-5]

هذا القانون ليس وقفا على بني إسرائيل. الله لا يتحيّز لقوم دون قوم. يُطبَّق على كل من وقف الموقف ذاته: الإفساد، والاستكبار، والإعراض عن نعم الله. ما حلّ بالأمس ببني إسرائيل لا بد أن يحلّ بكل من بايع الله ثم خان البيعة.

الصورة الظاهرة أنها محنة جاءت من طغاة متجبّرين يملكون قوة لا نملك مثلها. أما الحقيقة فهي أن هؤلاء جند ينفّذون سنن الله بكل دقة.

غثاء كغثاء السيل

المسلمون اليوم يزيدون على المليار، غير أنهم كما قال رسول الله ﷺ: “غثاء كغثاء السيل”. لا حاجة لشرح هذا الغثاء. نعلم أن ما عليه كثير من الناس في بلادنا من معصية الله والإعراض عنه والعبودية للدنيا لا يستنزل نصر الله، بل غضبه.

في هذا السياق تتجلّى الحكمة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾

الابتلاء إنذار ودعوة للمراجعة

هذه الابتلاءات والكوارث إنذار وتذكرة، حتى نصطلح بصدق مع الله وتُهيَّأ لنا سبل الرجوع لنعاهده على الوفاء بحقوقه.

لن نخرج من هذا الهوان ولن تعود إلينا الحياة بمعناها الحقيقي إلا حين نستجيب بصدق:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 24-25]

الاستجابة هنا ليست مجرد طقوس. إنها رجعة كاملة فاصلة إلى الإسلام كما أنزله الله: في الفكر والسلوك والعلاقات والمؤسسات. والله قادر أن يبدّل الحال لمن أخلص النية وصدق العزم.