آيتان تكفيان

في خواتيم سورة الحجرات آيتان، لو تدبّرهما المسلم وعمل بهما لكفتاه. يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: 11-12].

وقد لخّص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما تضمّنته هاتان الآيتان في كلمات جامعة، فيما رواه الترمذي وأبو داود عن عقبة بن عامر أنه سأل رسول الله: ما النجاة؟ فقال: “أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك”.

مراقبون للآخرين… غافلون عن أنفسنا

هاتان الآيتان تكادان تكونان مهجورتين في حياة كثير منّا. والوصية النبوية غدت غريبة عن أسماعنا. يُخيَّل إلى أحدنا أن الله أقامه حارسًا ورقيبًا على أحوال الآخرين، دون أن يكلّفه بأي مسؤولية تجاه نفسه.

يضع بعضنا على عينيه مناظير مكبّرة ليتبيّن أحوال من حوله، بل ليخترق ظواهرهم إلى طوايا قلوبهم، ثم يعود بتقارير يجزم بها. يجلس ليحرّك لسانه بالظنون والحديث عن أحوال هذا وذاك. أما هو، فغير مكلّف بشيء في نظر نفسه. أما دخائل نفسه، أما سلوكه مع الله، أما تقصيراته، فلا يخطر شيء من ذلك منه على بال.

لماذا “كثيرًا” وليس “بعضًا”؟

في الآية دقّة تستحق التأمل: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. ينهانا الله عن “كثير” من الظن، لكنّ العلّة أن “بعضه” إثم. فلماذا لم ينهَنا عن البعض فقط ما دام هو الإثم؟

الجواب أنّنا لا نعلم أين يكمن هذا البعض. نحن مطالبون بالاحتياط، فنجتنب مساحة أكبر حتى نأمن الوقوع في إساءة الظن بمن لا يستحقّها. هذا معنى دقيق في البيان القرآني يغفل عنه كثيرون.

الغيبة: فاكهة الملتزمين

لا أبالغ إذا قلت إنه لا توجد فاكهة يجتمع عليها كثير من الملتزمين بالإسلام كفاكهة الغيبة. يجتمعون عليها وكأن القرآن لم يتنزّل خطابًا لهم، وكأنهم قوم ممتازون لم يُكلَّفوا بمراقبة أنفسهم وتطهيرها.

كثير من المسلمين لا يقرؤون قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾. نسوا أنفسهم وقد أمرهم الله بمراقبتها. تتبّعوا حال غيرهم لا ليأمروا بمعروف أو ينهوا عن منكر، بل ليصنّفوا الناس: هؤلاء كافرون، وهؤلاء منافقون، وهؤلاء تائهون.

سنّة الستر الإلهي

في المقابل، تأمّلوا كيف يتعامل الله مع عباده. إذا رأى من عبد عملًا صالحًا نشره وكبّره بين الناس. وإذا ابتُلي هذا الإنسان بانحراف، أبقاه سرًّا بينه وبينه، لأن الله ستّير يحبّ الستر.

بل في الحديث الصحيح أنه يوم القيامة يُوقف العبد ويُسبل عليه سترًا، ثم يقول له: “أتذكر المعصية التي ارتكبتها يوم كذا؟ نعم يا رب. فلقد سترتُها عن الناس آنذاك، وها أنا أغفرها لك اليوم.”

فلماذا نسير في التعامل مع بعضنا على خلاف هذا النهج الذي يتعامل معنا ربّنا على أساسه؟ لماذا نحاول أن ننشر سترًا أسبغه الله على إخواننا؟ ومتى كنّا أربابًا من دون الله ندخل إلى سرائر النفوس وكوامن القلوب؟

ما بين أحدنا وبين الله خيط

سنّة أخرى من سنن الله في عباده: ما من إنسان مسلم إلا وبينه وبين الله خيط من عمل صالح، قد يطّلع عليه الآخرون وقد لا يطّلعون. قد نجد إنسانًا في ظاهره منحرفًا تائهًا، لكنّ لو تتبّعنا دخائل نفسه لرأينا خصلة حميدة يحبّها الله. وما أكثر هذه الخصال الخفية التي وزّعها الله رحمةً بين عباده.

هل نعلم أن الجار الذي نتباهى عليه بصلاتنا وعلمنا لن يتوب غدًا ويصبح من أفضل عباد الله الصالحين؟ وهل نحن موقنون أن الشيطان لن يتسرّب إلينا ويُضلّنا بعد هدى؟

الحكمة من هذه السنّة الربانية أن نتعلّم الأدب مع عباد الله: أن نُسيء الظن بأنفسنا في الوقت الذي نُحسن فيه الظن بإخواننا. مهما رأينا إنسانًا بعيدًا عن الله، ينبغي أن نقول: لعلّ يومًا يدركه يصبح فيه من الربّانيين. ثم لننظر إلى أنفسنا خائفين من شياطيننا.

العودة إلى الوصية

“أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابكِ على خطيئتك.” لا تبكِ على خطيئة الآخرين، ولا تذرف دموعًا كاذبة على أخطائهم. فلو كنت حقيقة تغار على حرمات الله لبكيت على خطيئتك أنت. وكلّ منّا إذا عاد ينظر إلى نفسه رآها أسوأ ما يسير على وجه الأرض. وإذا كان الأمر كذلك، فينبغي أن نُحسن الظن بسائر عباد الله، ونعود إلى أنفسنا لنصلحها ونقوّم اعوجاجها.