ما القلب في التعبير القرآني؟ وما الفرق بينه وبين العقل؟ وما صفات القلب السليم وصفات القلب المريض؟ وما أمراض القلوب الكبرى وكيف تُعالَج؟
القلب والعقل: عضوان لا واحد
خلافا لما يراه العلم الحديث من أن السلوك البشري وعواطف الإنسان ومشاعره كلها تنبع من العقل، نجد أن القرآن يشير إلى عضوَيْن مشتركَيْن في التحكّم في السلوك البشري: القلب والعقل.
ذهب بعض الفقهاء والعلماء الأوائل إلى القول بأن لفظ “القلب” مرادف للفظ “العقل” في القرآن. غير أن هذا الرأي ليس سليما، لأننا نجد في القرآن إشارة واضحة إلى أن المقصود بالقلب هو ذاك الذي يوجد في الصدر:
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46)
باستقراء الآيات القرآنية، نتبيّن أن مصطلح “العقل” ورد 49 مرة بصيغ مختلفة، وأن مصطلح “القلب” ورد 124 مرة. والعلاقة بين المصطلحَيْن وثيقة.
وظيفة كلّ منهما
العقل في التعبير القرآني يسمح للفرد بالتفكّر في الطبيعة والحياة والإنسان، ومن ذلك يستنتج أدلته على وجود الخالق. ومن وظائفه أيضا تجميع المعلومات وتنظيمها واستنتاج ما يساعد الإنسان على تحسين رصيد معرفته.
أما القلب فيقوم بالشيء نفسه لكن بأسلوب تفكير مختلف، إذ يستند إلى الوجدان العميق والبصيرة النفّاذة. والقلب يدرك المعلومات إدراكا باطنيا ووجدانيا. ولذلك يبدو العقل في التعبير القرآني وكأنه عامل مساعد للقلب، أو جزء لا يتجزأ منه، لأن المعرفة الحقيقية في التعبير القرآني هي معرفة القلب.
صفات القلب السليم
ورد وصف “القلب السليم” في القرآن مرّتين، إحداهما: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (الشعراء: 88-89).
ومن صفاته المذكورة في القرآن:
الطمأنينة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).
التقوى والخوف والإنابة: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج: 32)، و﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ (ق: 33).
الألفة مع المؤمنين: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (الأنفال: 63).
الفقه وحسن الفهم: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (الأعراف: 179).
الشفافية والإذعان للحقّ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (الكهف: 57).
سلامة الصدر من الحقد والغلّ والحسد: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).
صفات القلب المريض
ورد مصطلح “القلب المريض” تسع مرّات في القرآن. ومن اللافت أن هذا الوصف ورد في فئتين: المنافقين، والمؤمنين الذين في تديّنهم ضعف ووهن.
ففي قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ (البقرة: 10) حديث عن قلوب المنافقين. أما في قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ (الأنفال: 49)، فهو يتحدّث عن المنافقين وعن صنف آخر ينتمون إلى دائرة الإسلام لكنّ ضعف تديّنهم يجعلهم أقرب في سلوكهم إلى أهل النفاق.
ومن صفات القلب المريض:
خصال النفاق: كما جمعها النبي صلى الله عليه وسلم: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر، وإذا اؤتمن خان.
القسوة والغلظة: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (البقرة: 74)، و﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الزمر: 22).
التكبّر والتجبّر: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (غافر: 35).
عمى البصيرة: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج: 46).
أمراض القلوب الكبرى
باستقراء القرآن والسنة، نتبيّن أن من أكبر أمراض القلوب: اتباع الهوى، والجحود وعدم الإذعان للحقّ، والعناد، والإصرار على الذنب، والجدال والمراء، والكذب والرياء والنفاق، والحقد والغلّ والحسد، وإخلاف الوعد والعهد، وخيانة الأمانة والغشّ والخداع وإفشاء السرّ، والغيبة والنميمة والقذف والاستهزاء، واليأس من رَوْح الله، والكبر والعجب والغرور، وإيذاء الآخرين.
أدوية القلوب
أما الأدوية لعلاج أمراض القلوب، فباستقراء الآيات القرآنية نتبيّن أنها عديدة، ومن أهمها:
- العلم: المعرفة التي تنير البصيرة وتزيل الجهل
- مراقبة الله: استحضار أن الله مطّلع على السرائر
- الحبّ: حبّ الله وحبّ الخير للناس
- طلب الحقّ: السعي الدائم نحو الحقيقة
- سلامة التفكير وحسن الفهم: التحرّر من الأوهام والمغالطات
- مجاهدة الهوى: مقاومة النزوات والشهوات
- تلاوة القرآن: الذي هو شفاء لما في الصدور
- الدعاء: الاتصال المباشر بالله طلبا للعون والشفاء