ما الرابط بين بناء مسجد جديد، وبداية شهر رمضان، وأول خطبة خطبها النبي بعد الهجرة؟

ثلاثة أحداث تبدو منفصلة. لكن حين نتأمل النصوص المؤسِّسة لكل منها، يظهر خيط ناظم واحد.

المسجد: تأسيس على التقوى

يقول الله في بناء المساجد: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ. فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا. وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة:108).

المسجد ليس مجرد مبنى. هو مشروع قائم على التقوى منذ اللحظة الأولى.

الصيام: لعلكم تتقون

يقول الله في فريضة الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:183).

غاية الصيام ليست الامتناع عن الطعام. غايته تحقيق التقوى.

أول خطبة نبوية: موضوعها من أولها إلى آخرها — التقوى

بعد وصول النبي إلى المدينة مهاجرا، خطب أول خطبة جمعة في تاريخ الإسلام. وكان موضوعها من أولها إلى آخرها: الدعوة إلى تقوى الله. قال:

“أوصيكم بتقوى الله، فإن خير ما أوصى به المسلمُ المسلمَ أن يحضّه على الآخرة وأن يأمره بتقوى الله. فاحذروا ما حذّركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة، ولا أفضل من ذلك ذكرى.”

“ومن يُصلح الذي بينه وبين الله من أمره في السر والعلانية، لا ينوي بذلك إلا وجه الله، يكن له ذكرا في عاجل أمره وذخرا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدّم.”

“فاتقوا الله في عاجل أمركم وآجله، في السر والعلانية، فإنه من يتّق الله يكفّر عنه سيئاته ويُعظم له أجرا. وإن تقوى الله تُوقي مقته وتُوقي عقوبته وتُوقي سخطه. وإن تقوى الله تُبيّض الوجوه وتُرضي الرب وترفع الدرجة.”

“خذوا بحظكم ولا تفرّطوا في جنب الله. قد علّمكم الله كتابه ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا ويعلم الكاذبين.”

“فمن يُصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس، ذلك بأن الله يقضي على الناس ولا يقضون عليه، يملك من الناس ولا يملكون منه.”

التقوى في خطاب كل الأنبياء

ليس هذا خاصا بالنبي محمد. القرآن يُظهر أن التقوى كانت محور خطاب كل الأنبياء.

في سورة الشعراء وحدها، تتكرر العبارة نفسها خمس مرات:

  • ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ
  • ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ
  • ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ
  • ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ
  • ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ

وفي سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (الصافات:123-124).

التقوى كمشروع حياة

التقوى ليست مجرد شعور بالخوف من الله. هي مشروع حياة كامل: إصلاح العلاقة بين الإنسان وربه في السر والعلانية، في الحاضر والمستقبل. وهي متعلقة شديد التعلق بالتوحيد الذي هو جوهر الرسالات النبوية.

ولعل في تزامن بناء المسجد مع بداية رمضان تذكيرا بأن المعنى الذي يجمعهما هو نفسه الذي جعله النبي موضوع أول كلمة قالها بعد الهجرة: التقوى.