مقدمة كتاب (Le Coran des historiens) الذي اشتريته منذ أيام على موقع أمازون (3000 صفحة وحوالي 20 باحث أكاديمي) ، وكذلك الدراسة الأولى منه لم يخيبا ظني في وجود مادة علمية دسمة في هذه الدراسة القرآنية الضخمة..

الدراسة الأولى: تاريخ ما قبل الإسلام في الجزيرة العربية

الدراسة الأولى تتحدث عن القضايا التالية:

1- القرآن فقير نسبيا من حيث التفاصيل التاريخية والجغرافية، حيث لا يذكر إلا 4 مناطق جغرافية و5 أحداث تاريخية كبرى من فترة حياة الرسول محمد (ص)، وقبيلة وحيدة هي قريش.. بحيث يشعر القارئ أن القرآن هو “كتاب بدون سياق تاريخي وجغرافي” في فترة القرن 6-7 ميلادي..

2- من أهم الملاحظات التاريخية أن أهم قوة سياسية كانت متحكمة في واقع الجزيرة العربية عند ظهور القرآن هي حكم الفرس الساسانيين.. ومع ذلك، تجنب القرآن ذكرها حتى بالاسم.. واكتفى بذكر القوة المنافسة لها (الروم: غلبت الروم في أدنى الأرض)..

3- هذا الغياب أدى ببعض المستشرقين لوضع نظريات تتحدى القراءة التاريخية للإسلام، بالقول أن الإسلام لم يظهر في مكة الموجودة جغرافيا في قلب الجزيرة العربية.. وإنما في منطقة أخرى (النَقَب، قريبا من فلسطين والأردن وسيناء).. ثم تم تحريف السردية الإسلامية من قبل الدولة الأموية إلى مكة في قلب الجزيرة العربية..

وقد تم الرد على هذه النظرية من قبل مستشرقين آخرين، بحيث لم يعد لهذه النظرية قيمة حاليا..

4- توجد آثار تؤكد حصول نزاع مسلح بين هرقل الروم والساسانيين الفرس، أدت إلى هزيمة الروم.. وتم تحديد فترة هذا النزاع في دراسة من تأليف Glen Bowersok. بكونها قبل الهجرة النبوية بفترة قصيرة..

5- البحث عن الآثار يهدف لمعرفة عدة أمور من بينها: متى ظهرت اللغة العربية مستقلة عن اللغات السائدة؟ ما هو الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي والديني قبل ظهور الإسلام؟ وما هي اللغات والثقافات التي تأثر بها أهل قريش لتشكل ثقافتهم التي ظهرت أثناءها رسالة الإسلام؟

6- متى ظهرت العربية كلغة مستقلة في الجزيرة العربية؟

بعض الآثار الموجودة تقترح أن أول من كتب العربية هو شاعر الحِيرة عديّ بن زيد.. وكان كاتبا للدولة الساسانية الفارسية، يترجم لهم اوامرهم السياسية لأهل الجزيرة العربية. وقد مات سنة 590 ميلادي.. والحيرة في جنوب العراق حكمها المناذرة التابعون لحكم الفرس.. وانتقلت العربية-النبطية من الحيرة إلى دومة الجندل (شمال السعودية حاليا، قريبا من الحدود مع العراق).. ثم إلى بقية الجزيرة العربية..

وتقترح بعض الدراسات أن العربية حافظت على نفس الأبجدية النبطية/الآرامية، وقواعد النطق النبطي، ثم تمايزت تدريجيا عن أصلها النبطي، من خلال الشعر العربي الذي ظهر لأول مرة في حدود سنة 530 ميلادي..

ولكن توجد دراسة أخرى تعتمد على أثر مكتوب، تؤكد أن العربية بشكلها المعروف في الشعر بدأت في منطقة نجران (جنوب السعودية قريبا من الحدود اليمينية).. ويعود الأثر إلى 150 سنة قبل الهجرة النبوية.

ومن الآثار التي تم العثور عليها وتدعم هذا الرأي لوحة حجرية كتبت باللغة العربية-النبطية (الأنباط دولة كانت قائمة في منطقة البتراء بالأردن)، سنة 470 ميلادي تقريبا، كتب عليها: “ثوبان بن مالك.. في شهر بُرَاق” مع رمز الصليب المسيحي.

وهناك من يرى أن الكتابة العربية وضعت لأول مرة دعما لنشر المسيحية في الجزيرة العربية..

7- خلال الـ200 سنة الأخيرة تم العثور على آثار هامة جدا ساعدت على تحديد بعض الأحداث التاريخية.. هذه الآثار موجودة بالأساس في اليمن، وفي ثلاثة مناطق سعودية: منطقة العُلا، ومنطقة مدائن صالح، وقرية سعودية اسمها “الفَاوْ” (كانت عاصمة لبني كندة، الذين كانوا ممثلين لسلطة الدولة الحِمْيَرِية في الجزيرة العربية. غالبية أعمال التنقيب كانت بإدارة وإشراف مستشرقين.. ولكن في السعودية كانت بإشراف د. عبد الرحمن الطيب الأنصاري.

8- غالبية الآثار المعثور عليها، تعطي فكرة جيدة على الفترة التاريخية إلى حدود 560 ميلادي.. ثم تتوقف بشكل فجئي..

9- الحميريون كانوا مسيطرين على اليمن.. منذ سنة 300 وإلى حدود 560 ميلادي.. وتعرضوا لحروب عدة مع ملوك الحبشة، ومع الفرس الساسانيين.

ومن الآثار التي تم العثور عليها وهي محفوظة حاليا في متحف اللوفر، نقش على قبر الأمير امرؤ القيس (توفي سنة 332 ميلادي) وُصِف خلالها: “ملك جميع العرب”.. ويرى الباحثون ان هذا النقش يؤرح لظهور أول تسمية للعرب وتمييزهم عن بقية المسميات (حميريين، مناذرة، إلخ)..

10- وجدت أيضا آثار تعود لفترة 420 و445 ميلادي، تؤرخ لسيطرة الحميريين على أراضي يثرب والمناطق المحيطة بها.. وفيها يسمي ملك حِمْيَر نفسه: “ملك سبأ، والضُّريدان، وحضرموت، ويَمْنات وعرب الطَّوْد”..

11- حسب الآثار الموجودة ايضا، ثالث ملوك الحميريين كان يهوديا واسمه يوسف.. ويلقب “ذو نواس”.. تولى حكم اليمن.. وكان فيها نصارى ويهود.. ووُجدت آثار مكتوبة على الرخام والبرونز في اليمن تثبت أنه قام سنة 523 ميلادي، بإحراق نصارى كانوا يعيشون في اليمن.. وهو ما يلتقي مع الرواية القرآنية حول قصة “أصحاب الأخدود”..

12- بنو كندة (في قلب الجزيرة العربية) تمردوا على حكم الحميريين، وأعلنوا سنة 520 استقلالهم، وتأسيس دولتهم العربية.. وهنا بدأ انتشار اللغة العربية والكتابة العربية مستقلة عن غيرها.. وكانت قائمة على لهجة أهل نجد..

13- إثر حادثة حرق نصارى اليمن، هاجم نجاشي الحبشة اليمن وأنهى فيها حكم اليهود/ ووضع عليها حاكما حميريا من المسيحيين.. ووضع قائدا حبشيا على رأس جيشها.. اسمه “أبرهة”.. هناك أثر يؤكد ذلك..

14- عثر أيضا على 6 آثار كتابية عن وجود “أبرهة” (آثار تعود للفترة ما بين 530 م و565 م) .. تؤكد أنه كان قائدا حبشيا مسيحيا لجيش حمير.. وبعد فترة تمرد على الحاكم وأعلن نفسه حاكما على اليمن.. وكان من أوائل أعماله بناء معبد مسيحي أراد منه أن يكون الوحيد من نوعه وحجمه ويكون قبلة المسيحيين في الجزيرة العربية.. وأعلن تحالفه الكامل مع بيزنطة المسيحية.

15- تم أيضا تأكيد وجود هذا المعبد الذي تم بناؤه بين 559 و560 ميلادي. واشتهر في كتب التاريخ الإسلامي باسم “القُلَيْسَ” و”القُلَّيْسْ”.. وأثبت أحد المستشرقين خطأ النطق العربي، وأن الأسم يُنطق “القَلِيسْ”.. وهي تعريب للكلمة البيزنطينية ekklisia والتي تنطق ekklêsia / église.. بمعنى الكنيسة..

16- تم العثور على مكان قليس أبرهة، وهو بجانب وتحت مسجد صنعاء الكبير حاليا.. وكان حجمه تقريبا 67 مترا على 40 مترا، ومع ارتفاع قدره 23 مترا..

17- ولا صحة لكون الكعبة كانت أكبر من قليس أبرهة.. فهناك آثار كتب عنها مؤرخون مسلمون ذكرت أن الكعبة كان ارتفاعها في عهد النبي (ص) 4.5 مترا فقط.. وأن عبد الله بن الزبير ضاعف ارتفاعها بعد الحريق الذي حصل إثر حكم الخلفاء الراشدين، ليصبح 9 أمتار..

الدراسة الثانية: الساسانيون وعرب ما قبل الإسلام

18- الدراسة الأولى من كتاب “قرآن المؤرخين” (Le Coran des historiens) انتهت في 150 صفحة.. وكانت تركز على تاريخ ما قبل الإسلام في الجزيرة العربية، وأصل العرب وتأثير الحميريين (اليمن) على الوضع السياسي والديني والثقافي/اللغوي في الجزيرة العربية..

19- الدراسة الثانية تتعلق بالساسانيين الفرس وعلاقتهم بعرب ما قبل الإسلام، وحتى نهاية دولتهم في حدود 651-654 م (30-33 هجري تقريبا) على يد المسلمين..

20- من أوائل الأحداث التاريخية التي تم تأكيدها في هذه الدراسة (كتبتها مؤرخة فرنسية إيرانية الأصل اسمها سمرا آذارنوش Samra Azarnouche، حصول معركتين بين فارس والروم في تواريخ متقاربة مع فترة نزول سورة الروم.. (غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الأَرْضِ.. وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ.. لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ)..

تقول الشواهد الأثرية والتاريخية من مصادر غير إسلامية (مصادر فارسية ومصادر بيزنطية) أن خسرو الثاني (خُسْرُو بالفرسية، كِسْرَى بالعربية)، الذي حكم من 590 إلى 627 (6 هجري) هاجم حكم البيزنطيين (الروم) في عدة مناطق، سورية وفلسطين إلى حدود مصر بين سنة 602 وسنة 626، حين حاصر القسطنطينية.. وكان انتصاره الأكبر في فلسطين وسورية سنة 613-614 (السنة 4 للبعثة، في العهد المكي)، ثم في مصر سنة 618.

وتؤكد الكاتبة أن المقصود في الآية القرآنية، هو انتصار الفرس في معركة سورية وفلسطين، أو في أقصى الحالات معركة مصر، لأنها تمثل أدنى الأرض (أي الأرض الأقرب للجزيرة العربية)..

ومعروف أن سورة الروم مكية، نزلت قبل الهجرة.. وهذا يؤكد الرواية القرآنية، في جزئها الأول (المعركة الأولى).. ثم بدأت معارك جديدة بين الفرس والروم.. حين تولى هرقل حاكم قرطاجة حكم الروم عام 622 م، إثر انقلاب عسكري استولى فيه على على القسطنطينية وأعاد تنظيم الجيش.. وهاجم بلاد فارس سنة 624، ودمّر أكبر معبد نار مجوسي في أذربيجان (انتقاماً لتخريب كنيسة القيامة في القدس).. . وتوّج انتصاره النهائي على الفرس في معركة نينوى سنة 627 م (6 هجري)..

وقد سمع المسلمون هذا الخبر أيام صلح الحديبية مع قريش (6 هجري).. وأرسل النبي (ص) على إثر ذلك رسالة إلى كسرى يدعوه فيها إلى الإسلام.. وقابلها كسرى بالرفض..