من أواخر التابوهات التي امتنعت عن إعلان موقفي فيها، موضوع “إسرائيل” والقدس والمسجد الأقصى..
منذ سنوات قليلة، كنت في تونس في رحلة قصيرة، ترافقت فيها مع أحد مشاهير المشهد التونسي.. وذكرت له جملة التابوهات الدينية والسياسية التي حرصت على عدم الخوض فيها.. وذكرت له من بينها موضوع الأقصى وفلسطين وإسرائيل..
أوّلا- قناعتي الدينية الخالصة
1- القدس لها مكانة دينية عند المسلمين واليهود بنفس الدرجة والمستوى ولنفس السبب الديني والتاريخي.. وليس باعتبارها مسرى النبي وأولى القبلتين..
فبيت المقدس في لغة العرب تعني (مكان العبادة الطاهر).. والقُدْس: الطُّهر والتنزيه. والمُقَدَّسُ مِنَ الأَمَاكِنِ وَنَحْوِهَا: المُطَهَّرُ المُبَارَكُ. ﴿إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى﴾، سورة طه.
والمسلمون لم يدخلوا بيت المقدس في عهد النبي (ص)، ولا في عهد أبي بكر.. وإنما في عهد عمر فقط.. والصفة الدينية للأماكن والأراضي لا تؤخذ من أفعال الصحابة ولا الخلفاء، (ولا حتى من الصوفية بالمناسبة).. وإنما من الوحي فقط..
2- في القرآن ذِكرٌ لثلاثة أماكن مقدّسة: واد طوى، وجبل طور، وأرض فلسطين..
-
في سورة طه: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى.. إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا، لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى.. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى..
-
في سورة النازعات: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى، إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾
-
سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولا نَّبِيًّا.. وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾
-
سورة طه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾
-
سورة القصص: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
-
سورة القصص: ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
-
سورة التين: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ، وَطُورِ سِينِينَ﴾
-
في سورة المائدة: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ..
3- جميع المفسرين والمؤرخين يتفقون على أن جبل طور والواد المقدس طوى، هما في صحراء سيناء، والواد موجود في سفح جبل طور..
ويرى المفسرون كذلك أن الأرض المقدسة (في سورة المائدة) يقصد به أرض فلسطين..
وجميع هذه الأماكن الثلاثة مرتبطة بسيرة سليمان وموسى، من أنبياء بني إسرائيل.. بالتالي فهي بلا شك أراضي مقدسة (مطهرة، منزهة، مباركة) عند اليهود.. والمسلمون يستمدون قداستها وبركتها من هذين النبيين..
4- قداسة بيت المقدس عند المسلمين تأتي فقط من كونها بناها أحد الأنبياء الذين نقول بنبوتهم.. سليمان عليه السلام.
جاء في النسائي، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ص) أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ (ع) لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ، سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خِلاَلاً ثَلاَثَةً:
- سَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ، فَأُوتِيَهُ..
- وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مُلْكًا لاَ يَنْبَغِى لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، فَأُوتِيَهُ..
- وَسَأَلَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ حِينَ فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ أَنْ لاَ يَأْتِيَهُ أَحَدٌ لاَ يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلاَةُ فِيهِ، أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”..
هذا الحديث يشير إلى بركة المكان.. لأتباع سليمان، وللمؤمنين بالنبوات من بعده عموما، طالما أنهم يأتون بغاية الصلاة والعبادة فيه.. وهذا أمر لا يخص المسلمين فقط.. ولا اليهود فقط..
5- قداسة أرض فلسطين متأتية من وجود “المسجد الأقصى” فيها.. وفي سورة الإسراء: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.
والمقصود هنا في القرآن ليس مسجد المسلمين المعروف الآن باسم “المسجد الأقصى”.. وإنما هو المسجد الذي بناه سليمان عليه السلام في ذلك المكان.. وهو المعروف عند اليهود باسم الهيكل أو المعبد.. هذا هو “المسجد الأقصى”.. ولم يوجد للمسلمين فيه مسجدٌ قبل عهد عمر بن الخطاب..
وبركة المكان تتسع لكل محيط المسجد الأقصى.. وتشمل كل متساكني محيط المسجد الأقصى، بمسلميهم ومسيحييهم ويهودهم.. والجميع يحق لهم الانتفاع ببركة المكان..
بالتالي، فلو أراد اليهود البحث عن آثار أو مكان هيكل سليمان، فما العيب في ذلك؟ ألا يمثل هذا رمزيةً لليهود والمسلمين والمسيحيين في نفس الوقت؟ ألا يفرح المسلمون لو عثر أهل الأديان على مسجد سليمان، المقدس والطاهر والمبارك؟
6- عندما بدأ النبي (ص) يصلي في العهد المكي، وإلى حدود السنة الثانية من الهجرة (يعني حوالي 14-15 سنة) كان يصلي في اتجاه بيت المقدس باعتباره مكانا طاهر وذا بركة، لا يحيط به أصنام أو مظاهر شرك.. وكانت فيه كنيسة مسيحية، ولم يبق فيه مسجد سليمان (هيكل سليمان، معبد اليهود)، الذي دمّر واختفى.. ولم يكن المكان تحت سيطرة المسلمين.. يعني قبلة المسلمين كانت ملكا للنصارى واليهود حينذاك.
وتحولت القبلة إلى المسجد الحرام في السنة الثانية للهجرة، رغم استمرار وجود الأصنام حولها واستمرار سيطرة المشركين (كفار قريش) عليها.. وبقي الحال كذلك لمدة 6 سنوات إلى حين فتح مكة سنة 8 هـ..
وحينها أصبحت مكة أرضا مقدسة للمسلمين.. وأصبح المسجد الحرام مكانا مقدسا وحراما..
في القرآن: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ سورة المائدة.
والبيت الحرام هو المسجد الحرام، والحرم المكيّ كلّه، ويُعدّ بيت الله الحرام أوّل بيتٍ وُضِع للناس في الأرض لعبادة الله. قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ﴾، سورة آل عمران.
وسُمِّي المسجد الحرام بهذا الاسم؛ لأنّ الله حرّمها إلى يوم القيامة؛ فلا يجوز القتال فيها، ولا قطع شجرها، ولا التقاط لقطتها إلّا من عرّفها، ولا عضد شوكها، ولا يجوز أن يُنفر صيدها.. والنبي (ص) قال يومَ فتحِ مكّةَ: (إنَّ هذا البلدَ حرَّمَهُ اللهُ يوم خلقَ السماواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحرمةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ، وإنَّهُ لم يَحِلَّ القتالُ فيهِ لأحدٍ قبلي، ولم يَحِلَّ لي إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ بحرمَةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ، لا يُعْضَدُ شوكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صيدُهُ، ولا يُلْتَقُطُ لقطتُهُ إلا من عرَّفها، ولا يُخْتَلَى خلاهُ) فقال العباسُ: يا رسولَ اللهِ، إلا الإذخرُ، فإنَّهُ لِقَيْنِهِمْ ولبيوتهم، قال: (إلا الإذخرُ))، صحيح البخاري.
بالتالي، ألا يدلّ هذا على عدم وجود حرج ديني في أن تكون قبلة المسلمين تحت سيطرة الشرك والكفر؟ وأن وجود مظاهر الشرك والأصنام في قبلة المسلمين لا ينقص من قيمة القبلة، باعتبار أن ما يهم هو الرمزية وليس واقع الحال؟
7- من الناحية المبدئية أو النظرية البحتة، لا أرى أي حرج في أن تكون بيت المقدس تحت سيطرة الكفر أو الشرك.. فلا يوجد أي دليل ديني على ضرورة ملكية المسلمين لأرض يقدّسونها حتى لو كانت قبلتهم في الصلاة..
فالأرض تقدس باعتبار رمزيتها وطهارتها الروحية لا غير.. ولذلك، ارتبطت الطهارة والقداسة بالسجود لله.. المسجد الحرام.. المسجد الأقصى..
والأرض المقدسة هي أيضا المكان الذي نسبّح فيه لله ونقدّس له.. ونذكره فيه.. ولذلك، فكل مكان مخصص للسجود والعبادة هو مكان مقدّس، أي طاهر ومنزّه رمزيا، للسجود والتسبيح لله والتقديس له.. وفي الحديث النبوي: “جُعِلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً”.. وهذا يعني أنّ أي مسجد متخذ في أي أرض هو في ذاته مكان مقدس.. بيت مقدس..
ثانيا- قناعتي في الجانب الواقعي والسياسي
1- ما يوجد في فلسطين هو استعمار.. احتلال عسكري.. لا غير..
ولا توجد خلفية دينية للصراع مع الاحتلال الصهيوني، إلا من حيث كون الإسلام يرفض الاعتداء على الآخرين وممتلكاتهم..
والصراع مع الاستعمار الصهيوني هو صراع على ملكية الأرض.. ولا علاقة له بحرب المقدسات.. فالمكان مقدس للجميع..
وهذه القداسة المشتركة بين أهل الأديان للقدس، تقتضي علاج التوترات والخصومات.. وتقتضي صياغة “دستور مدينة” جديد يسمح بالإدارة المشتركة للمكان.. ومنع الاعتداءات المتبادلة..
2- والحل في تقديري هو أن تتولى الأمم المتحدة إدارة الأماكن المقدسة، وتنظيم الدخول إليها، لمنع الاستفزازات والاعتداءات التي يقوم بها دوريا بعض اليهود المتطرفين.. على أن تتولى الأمم المتحدة الإشراف أيضا على التنقيب على بقايا مسجد النبي سليمان.. بشكل يحمي في نفس الوقت ملكية الأرض لسكانها الحاليين أو تعويضهم تعويضات منطقية..
واستعملت “بعض اليهود المتطرفين”.. والتبعيض هنا لا يدل بالضرورة على القلة.. وإنما على عدم التعميم.. لأنني أرفض اتهام جميع اليهود بممارسة هذه الاعتداءات.. ما أعرفه هو أن كثيرا من يهود إسرائيل يريدون فقط العيش في سلام، ولا يحبون الصراع ولا الحروب.. ومنهم أجيال ولدت في ذلك المكان في العقود الأخيرة، بدون اختيار.. وقليل منهم هاجر من إسرائيل عائدا إلى بلده الأصلي أو مستقرا في بلاد الغرب رفضا من الناحية المبدئية، وآخرون ظلوا غير قادرين على المغادرة.. بل هناك أيضا نهج يساري إسرائيلي رافض للاحتلال والتطرف الديني، والصراع على المقدسات..
3- بالنسبة إلي، الصراع القائم صراع فلسطيني/صهيوني، وليس صراعا عربيا/صهيونيا، ولا صراعا إسلاميا/صهيونيا..
ولكن، كعرب ومسلمين، من المبدئية الأخلاقية ألا نعدم الاعتراف بنظام استعماري.. ومن المبدئية أن نقاطع بضائع الاستعمار..
وهذا ليس خاصا بالعرب والمسلمين، بل هو نهج كل أحرار العالم الرافضين لأشكال الاستعمار والهيمنة العالمية وسرقة مقدّرات الشعوب.. وفي هذا لا يقل الاستعمار الاقتصادي والسياسي على الاستعمار الجغرافي..
يبقى الإشكال فقط في المسلمين الذين يعيشون في الغرب.. في بلد مثل كندا الذي يعترف بإسرائيل منذ 1948 تقريبا، ويعتبرها دولة صديقة وشقيقة.. هنا تبقى مقاومة الاستعمار الصهيوني مبدئية.. والتعاطي مع المقاطعة الشخصية في حدود المستطاع.
4- كلما امتد الاستعمار الصهيوني زمنيا، كلما أصبحت إمكانيات إخراجه من الأرض الفلسطينية صعبة ومعقدة.. تماما مثلما حصل مع المستعمرين البيض في جنوب إفريقيا.. حيث أصبح كثير منهم على امتداد أجيال متعاقبة أصحاب أرض هم أيضا.. مما دفع إلى إيجاد صيغ واقعية للتعايش وتوزيع الاراضي والممتلكات..