تلقيت بالأمس واليوم رسالتين تطلبان المساعدة في اقتراح مراجع علمية حول فهم الدين، وتبديد الشكوك الإيمانية.. وأتلقى دوريا مثل هذه الطلبات، من أصدقاء أشكرهم على ثقتهم وحسن ظنهم.. وبداية أقول، إن هذا الشك الإيماني علامة صحة فكرية لأنه يسمح بالانتقال من مرحلة الإيمان الوراثي وتقليد الأسرة والمجتمع، إلى مرحلة الإيمان الاستدلالي الذي يجمع بين عنصرَي الثقة في مصدر الدين والشك في فهم الدين ومساءلة الفهم، بحثا عن الأصوب، وتجنبا للتناقض المنطقي والسلوكي..
وأنصح دائما بمحاولة ترتيب القضايا المثيرة للشك في مستويات مختلفة، لأن المنهجية االسليمة توفر في تقديري نصف الجواب.. كلما كانت المنهجية سليمة، كلما تمكنا من الحصول على إجابات منطقية ومتماسكة، تسمح بحذف التساؤلات المتفرعة التي تنتفي بمجرد فهم المنهجية..
وأقترح دائما على الأصدقاء تلخيص مواطن البحث في صدق الوحي ووجود الخالق وحقيقة الحياة، في مستويات خمسة: 1- الإله (أو الخالق): هل هو موجود، أم غير موجود؟ متعدد، أم واحد؟ 2- الكون (أو الطبيعة): هل هو مخلوق، أم غير مخلوق؟ 3- النفس البشرية: هل هي متميزة فطريا، أم ناشئة عن تطور في الحياة؟ 4- الأنبياء والرسل: هل يتلقون وحيا عن خالق، أم أن تجاربهم إنسانية؟ 5- القرآن الكريم (أو الكتب السماوية بصفة عامة): هل هو كلام الله أم كلام بشر؟
إن تمكنّا من تبديد الشكوك في “مصدر القرآن” من خلال دراسة هذه المستويات الخمسة بشكل سليم، فإنا سننتقل إلى خمس مستويات أخرى من الشكوك:
6- كيف نفهم القرآن؟ وما الذي يطلبه منا؟ وما هي أدوات الفهم السليم؟ وما هو الجوهري والثابت، والتفصيلي القابل للاجتهاد في القرآن؟ وهل القرآن يقتضي التعامل معه بمنهجية مقاصدية أم بمنهجية حَرْفية؟ وكيف نفهم صلوحية القرآن لكل زمان ومكان؟ كيف نوفق بين الرغبة في الاقتداء بالجيل الأول للإسلام وبين مقتضيات العصر ومستجداته؟
7- ما هي وظيفة النبي؟ هل هي وظيفة بلاغ وتبيين، أم وظيفة تشريعية تكميلية للقرآن؟ وهل كل أفعال النبي هي بمقتضى النبوة أم أنه يحافظ على بشريته في كل وظائفه الاجتماعية غير المتعلقة بالبلاغ المبين؟ كيف نتعاطى من السنّة والحديث النبوي؟ وماذا لو تناقض الحديث النبوي مع القرآن؟ هل ردّ الحديث وعدم قبوله هو رد لكلام النبي أم تشكيك في رواية المحدثين الذين نقلوه؟ وهل ردُّ بعض أحاديث البخاري ومسلم يعني التشكيك في الدين أم محاولة مقبولة لمنع التعارض والتناقض المنطقي بين القرآن والحديث؟ وهل منهجية تصحيح الأحاديث قابلة للتطوير مع وجود تكنولوجيا المعلومات، أم انها منهجية مكتملة غير قابلة للتغيير؟
8- ما هي مرجعية السلف الصالح (سواء كان جيل الصحابة كما يقول السنّة، أو جيل الأئمة كما يقول الشيعة): هل هي مرجعية في المستوى الأخلاقي فقط، أم أنها مرجعية في الفهم والتطبيق، حتى لو كان تطبيقهم محكوما بظروف حياتهم؟ وماذا لو اكتشفنا محدودية فهم الجيل السابق بسبب محدودية المعرفة في زمانهم، هل لنا أن نتجاوز فهمهم بناء على معارفنا المعاصرة واحتياجاتنا المعاصرة؟
9- كيف نفهم علاقة الدين بالحياة؟ هل متعلقة بالأخلاق فقط، أم هي مرجعية تشمل كل نواحي الحياة؟ ما هي علاقة الدين بالفضاء العام والحريات الفردية والجماعية والمواطنة في الدولة المدنية المعاصرة؟ كيف نجمع بين حرية التدين وحرية الكفر في إطار الدولة ذات الأغلبية المسلمة؟ وفي إطار الدولة ذات الأغلبية غير المسلمة؟ هل يمكن أن نطالب كأقلية مسلمة في دولة ذات أغلبية غير مسلمة، بحقوق نرفض أن نمنحها للأقليات غير المسلمة في دولة ذات أغلبية مسلمة؟
10- كيف نتعاطى مع التنوع الإسلامي، وندير الخلاف في الفهم والممارسة (الحجاب، دور المرأة، النسوية، الزواج، الميراث، االقوامة، التعليم الديني، الفصل بين الدين والسياسة، إلخ.) ؟ كيف نتعامل مع التطرفَات الأربعة (تطرف اعتبار الدين في القلب، وتطرف التمسّك الظاهري بكل جزئيات سلوك الجيل الأول للإسلام، وتطرف العنف المسلح بمسمى الجهاد، وتطرف التمسك بتطبيق الشريعة كما تم تحديدها تقليديا من قبل الأجيال السابقة في إطار الدولة المدنية المعاصرة)؟
11- كيف نفهم الشر والظلم والقبح والمرض والفقر وتفاوت الفرص الذي نراه في الحياة؟
أعتقد أن النقاط المذكورة تشكل إطارا عاما دقيقا يسمح بفهم سليم ومنطقي يبدد الشكوك:
- 5 مواطن بحث تشكل أساس الإيمان بمصدر القرآن ومصدر الدين،
- و6 مواطن بحث تشكل أساس فهم الدين وتطبيقه في واقعنا المعاصر..
وكنت قد كتبت سنة 2008، مقالا تفصيليا حول المواطن الخمسة الأولى.. فيه كثير من التفاصيل المنهجية المفيدة..
المدخل لدراسة القرآن الكريم* محمد بن جماعة
يمثل البحث في مصدر القرآن المدخلَ الأساسي لعرضه ودراسته. وللإجابة عن السؤال حول المصدر الحقيقي للقرآن، و”هل يمكن أن يكون هذا الكتاب قد استخرج من علم وإدراك من أرسل به، أو من معرفة بشرية على العموم، أو أنه على العكس، هنالك أسباب لا يمكن دفعها تحدونا للاعتقاد بمصدره العلوي الإلهي”، أشار الباحثون السابقون إلى عدد من الأمور من أهمها (انظر الرسم 2، في المرفقات):
- الجانب الأدبي والبلاغي: حيث أن تميز الأسلوب القرآني في جمال لا يضاهى، وجلال متميز يجعل من المستحيل الإتيان بمثله، وكل بلغاء العرب يعترفون بذلك.
- الجانب المعرفي: إذ أن اتساع المعرفة وعمقها في القرآن دليل في حد ذاته على تجاوزه لطاقة البشر.
- الأبعاد النفسية والأخلاقية لشخصية النبي (ص) والتي تنفي أي احتمال للكذب أو الخداع أو الوهم أو المرض النفسي.
ومن جهة أخرى، حرص الجاهليون قديما وحديثا على إثارة الشبهات حول القرآن الكريم. ومن هذه الشبهات ما وقع في عهد النبي (ص)، ومنها ما استجد بعد وفاته (ص) في عهد الصحابة، ومنها ما استجد بعد تواصل المسلمين بعلوم اليونان (الفلسفة وعلم الكلام)، ومناهجهم العقلية في الاستدلال على وجود الخالق، وإثبات أو إنكار النبوات، إلى غير ذلك. ومن الشبهات التي طرحت بقوة: دعوى الانتحال من كتب اليهود والنصارى، والتي قامت على أسس أربعة هي: التشكيك في أمّية النبي (ص)، والإشارة إلى اتصال النبي (ص) ببعض أهل الكتاب قبل البعثة، والإشارة إلى اطلاع النبي (ص) على كتب اليهود والنصارى بواسطة ورقة بن نوفل، والتركيز على القرابة والتشابه مع الكتب السابقة.
ولكن، هل يمكن القول إن النتائج المستخلصة من قبل العلماء السابقين تجعل من غير الضروري إعادة البحث في هذا الموضوع؟ وهل أصبح مهمة الخلَف محدودة في تدوين هذه النتائج الجاهزة، وبالنظر إليها كأنها الكلمة الأخيرة حول حقيقة الأشياء؟ الجواب في تقديرنا هو النفي لسببين: أولهما: أنه بقدر ما تتطور معارفنا حول الطبيعة والنفس البشرية، وكلما اكتسبنا سببا جديدا يحملنا على أن نرى الأشياء من زاوية مختلفة، فإن ذلك يدعونا إلى أن نضع المشكلات حين ندرسها بما يتفق وهذا الجديد من العلم. والمسألة الدينية عموما -وبشكل خاص المسألة القرآنية- لا تخرج عن هذه القاعدة. وثانيهما: أن مهمة الأجيال التي أتت وستأتي بعد الأجيال الأولى للإسلام لا يمكن قصرها على مجرد جمع المعلومات وتخزينها في الذاكرة ومن ثم نشرها، وإنما هي مكلفة أيضا بالمساهمة بجهدها ودورها في خدمة (الحقيقة)، والبحث بوسائلها الذاتية عما يتعين اتخاذه في سبيلها. أضف إلى ذلك أن التشكيك في (الحقيقة) قائم ودائم، ويجدد وسائله وأساليبه ومقولاته بحسب ما يتوفر لديه من أدوات معرفية جديدة، وهو ما يشكل تحديا يفرض على كل جيل من الأجيال أن يتعامل مع واقعه وفق هذه المستجدات والمتغيرات بما يسمح له بالاستمرار في خدمة (الحقيقة).
ومن خلال الاستقراء، يمكن القول إن مواطن البحث عن صدق الوحي ووجود الخالق وحقيقة الحياة تكمن في مستويات خمسة: 1- الإله (أو الخالق): هل هو موجود، أم غير موجود؟ متعدد، أم واحد؟ 2- الكون (أو الطبيعة): هل هو مخلوق، أم غير مخلوق؟ 3- النفس البشرية: هل هي متميزة فطريا، أم ناشئة عن تطور في الحياة؟ 4- الأنبياء والرسل: هل يتلقون وحيا عن خالق، أم أن تجاربهم إنسانية؟ 5- القرآن الكريم (أو الكتب السماوية بصفة عامة): هل هو كلام الله أم كلام بشر؟
في محاولة إيجاد أجوبة على هذه التساؤلات، انتهج الباحثون -مسلمين وغير مسلمين- مناهج مختلفة لدراسة ظاهرة التدين والإيمان بالخالق، يمكن تلخيصها في خمسة مسالك بحثية (انظر الرسم 4، في المرفقات): • المسلك الأول: البحث التاريخي والاجتماعي (الأنثروبولوجي) • المسلك الثاني: المنهج العلمي ودراسة الظواهر الكونية • المسلك الثالث: الاستدلال المنطقي (أو الفلسفي) • المسلك الرابع: البحث في ظاهرة النبوة • المسلك الخامس: البحث في الظاهرة القرآنية.
واستكشاف هذه المسالك والتدقيق في خطواتها وأدواتها البحثية يبرز قدرتها منفردة ومجتمعة على تقديم إجابات سليمة ومتسقة تقود إلى اليقين العلمي في مبحث (وجود الله) وصدق الوحي. وفيما يلي إشارات مختصرة حول هذه المسالك التي تصلح كمدخل لدراسة القرآن الكريم.
المسلك الأول: البحث التاريخي والاجتماعي (الانثروبولوجي):
في هذا المنهج البحثي، يسعى الباحث للإجابة عن الأسئلة التالية (1): • متى ظهرت فكرة التدين على وجه الأرض؟ • هل الإنسان (حيوان ديني) بشكل فطري غريزي، وبسبب استعداد أصيل في طبيعته؟ • أو أنه اكتسب هذه الصفة إثر عارض ثقافي مفاجئ لدى مجموعة بشرية معينة، شمل مفعوله الإنسانية كلها، بنوع من الامتصاص النفسي؟ • إلى أي حد تعد ظاهرة التدين عريقة في القدم؟ هل سبقت الحضارات المادية؟ تأخرت عنها في الوجود؟ أم اقترنت بها؟ • ما مصيرها أمام التطورات الفكرية المعاصرة؟ • … ويعتمد البحث في هذا المسلك على أدوات من الاختصاصات التالية: علم التاريخ، علم الاجتماع، علم النفس الإنساني، علم النفس الحيواني، الأنثروبولوجيا…
المسلك الثاني: المنهج العلمي ودراسة الظواهر الكونية:
في هذا المنهج البحثي، يسعى الباحث للإجابة عن الأسئلة التالية (2): • كيف نشأ الكون؟ خلق أم نتيجة تفاعلات فيزيائية وكيميائية عشوائية؟ • ما سر النظام الموجود في الكون؟ هل يمكن أن يكون حادثا بالمصادفة؟ • هل يمكن للحياة أن تنشأ مصادفة كما تدعي نظرية التطور؟ • كيف نشأت الحياة؟ وهل نشأت على الأرض فجأة وبأشكال معقدة؟ أم أنها نشأت بفعل تطورات • ما هو منشأ الإنسان؟ وهل انحدر البشر والقرود من سلالات حيوانية مشتركة؟ • كيف نفسر بعض الظواهر السلوكية المنطقية في الطبيعة، مثل ظاهرة الحكمة في سلوك الحيوانات، وروح التضحية لدى الكائنات الحية التي تعيش على شكل مجموعات، والتكافل الموجود بين الكائنات الحية؟ • هل تتحرك كل الكائنات الحية بطريقة عشوائية أم بتناسق وانسجام كامل، يدل على تسييرها بوساطة إلهام إلهي؟ • هل يمكن تفسير ظاهرة الحياة بكل مظاهرها وتعقيداتها وتناسقها ونظامها، بمعزل عن وجود إله خالق؟ • …
ويشكل هذا المسلك البحثي التحدي الأكبر نظرا للانقسام الحاد في الأوساط العلمية الأكاديمية حول اعتماد نظرية داروين حول التطور كحقيقة علمية مكتملة، أو اعتبارها “نظرية قوية” في مواجهة نظريات أخرى أقل قبولا في الأوساط العلمية كنظرية (الصنع الذكي Intelligent Design)، ونظرية (الخلق Creationism).
ويعتمد البحث في هذا المسلك على أدوات من الاختصاصات التالية: علم التاريخ، علم السلوك الإنساني، علم السلوك الحيواني، العلوم الطبيعية، الأنثروبولوجيا…
المسلك الثالث: الاستدلال المنطقي (الفلسفي)
في هذا المنهج البحثي، يسعى الباحث للإجابة عن الأسئلة التالية (3): • هل يمكن استعمال القواعد المنطقية لإثبات أو نفي وجود الله؟ • هل يمكن الثقة في القواعد المنطقية والرياضية في مثل هذه البحث؟ • يوجد مسلكان منطقيان للبحث في الموضوع: • طريق التدرج من الأعلى: بطلان الراجح بدون مرجح، بطلان التسلسل، بطلان الدور، بطلان التفاعل الذاتي، قانون العلة الغائية، وبيان قيام الكون على أساسها • طريق التدرج من الأسفل: (ويشترك نسبيا مع المسلك الرابع في البحث: البحث في ظاهرة النبوة) • نحن أمام كتاب غريب اسمه القرآن، وصلنا عن طريق سند متصل متواتر قطعي • الاستدلال على ظاهرة الوحي، من خلال القواعد المنطقية المعروفة: دلالة الالتزام، القياس ويعتمد البحث في هذا المسلك على أدوات من علم المنطق.
المسلك الرابع: البحث في ظاهرة النبوة
في هذا المنهج البحثي، يسعى الباحث للإجابة عن الأسئلة التالية (4): • على مدى التاريخ، تتابع أفراد مدفوعون بقوة لا تقاوم، جاؤوا يخاطبون الناس باسم (حقيقة مطلقة) يقولون إنهم يعرفونها معرفة شخصية، وخاصة، بوسيلة سرية هي الوحي • يقول هؤلاء الرجال إنهم مرسلون من (الله) ليبلغوا كلمته إلى البشر، الذين لا يستطيعون أن يسمعوها مباشرة • خصوصية هذا الوحي ومضمونه، هما الأمارتان المميزتان المثبتتان لرسالة النبي • هل الظاهرة النبوية ظاهرة موضوعية مستقلة عن الذات الإنسانية التي تعبر عنها (النبي)؟ • هل يمكن أن نخضع شخصيات الأنبياء إلى الدراسة حتى نفهم إن كانوا مدعين أو مرضى نفسيين؟ كاذبين أم صادقين؟ • كيف نميز بين (النبي الحق) وبين (مدعي النبوة)؟ • الدراسة النفسية كمدخل لإثبات النبوة وخصائصها: ويجاب فيها على 5 فرضيات (5) (انظر الرسم 2، في المرفقات): • أن يكون النبي (ص) مخادعا كذابا • أن يكون النبي (ص) واهما مخدوعا • أن يكون النبي (ص) مصابا بمرض عصبي أو نفسي • أن يكون النبي (ص) ساحرا أو مجرد عبقري • أن نقر بأن الوحي ظاهرة مستقلة عن ذات النبي، ولا يتصنعها ولا يتكلفها، وهي حالة ليست اختيارية • المقارنة الأسلوبية بين البلاغة النبوية والبلاغة القرآنية (ويشترك نسبيا مع المسلك الخامس في البحث: البحث في الظاهرة القرآنية) ويعتمد البحث في هذا المسلك على أدوات من الاختصاصات التالية: علم التاريخ، السيرة النبوية، علم النفس، علم السلوك…
المسلك الخامس: البحث في الظاهرة القرآنية:
في هذا المنهج البحثي، يسعى الباحث للإجابة عن الأسئلة التالية: • من أين جاء به محمد بن عبد الله؟ أمن عند نفسه ومن وحي ضميره؟ أم من عند معلم؟ ومن هو ذلك المعلم؟ • نقرأ في القرآن ذاته أنه ليس من عمل صاحبه، وإنما هو قول رسول كريم، ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين، وأنه تلقنه كما يتلقن التلميذ عن أستاذه نصا من النصوص، وأنه لم يكن له من عمل سوى: الوعي والحفظ، الحكاية والتبليغ، البيان والتفسير، التطبيق والتنفيذ. • القرآن معجزة لغوية نابعة من مصدر غير بشري. فإن كان في ذلك شك، فما مأتاه؟ (6): • هل حدث أي واحد نفسه بأنه يستطيع أن يأتي بكلام في طبقة البلاغة القرآنية؟ • أم هو قد عرف قصور نفسه عن تلك الرتبة، ولكنه يرى أن من الناس من يقدر على ذلك؟ • أم علم أن الناس جميعا قد سكتوا عن معارضة القرآن، ولكن لم يعلم أن سكتهم عنه كان عجزا، ولا أن عجزهم جاء من ناحية القرآن ذاته؟ • أم علم أنهم قد عجزوا عن ذلك، وأنه هو الذي أعجزهم، ولكنه لم يعلم أن أسلوبه كان من أسباب إعجازه؟ • أم هو يوقن بأن القرآن الكريم كان وما زال معجزة بيانية لسائر الناس، ولكنه لا يوقن بأنه كان معجزا كذلك لمن جاء به؟ • أم هو يوقن بهذا كله، ولكنه لا يدري: ما أسراره وما أسبابه؟
جواب هذه التساؤلات يستدعي التعمق في دراسة الأساليب اللغوية والبلاغية، وتنمية ملكة النقد البياني، للحكم على مراتب الكلام وطبقاته، ثم النظر في القرآن الكريم. ويمثل هذا الإطار أحد أهداف علوم القرآن، وخصوصا مبحث الإعجاز اللغوي القرآن، الذي أسفرت فيه البحوث عن عدد من نظريات الإعجاز، أهمها: نظرية النظم القرآني (عبد القاهر الجرجاني)، نظرية النظم الموسيقي في القرآن أو الفاصلة القرآنية (مصطفى صادق الرافعي)، نظرية التصوير الفني في القرآن (سيد قطب)، نظرية الإعجاز البياني (عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ)، مظاهر جلال الربوبية في الخطاب القرآني (محمد سعيد رمضان البوطي)، نظرية الوحدة البنائية للقرآن (محمد عبد الله دراز، طه جابر العلواني)…
ومن المفيد هنا التأكيد على أن الإعجاز القرآني ليس إعجازا بلاغيا فقط، بل هو إعجاز معرفي بالمفهوم العام للمعرفة الإنسانية. إذ مما لا شك فيه أن القرآن المكي هو الذي بهر عقول العرب وحملهم على التسليم والإقرار لكون القرآن من عند الله، لما يسمعون من نظمه وبيانه، وليس الإعجاز التشريعي أو غيره مما نزل في الفترة المدينة. غير أن القرآن الكريم لم ينزل ليتحدى العرب فقط، وإنما جاء ليتحدى الإنس والجن قاطبة أن يأتوا بمثله، وهذا يعني أن التحدي ليس واحدا ولا على نفس القدر والشكل لكل الأقوام وكل الأجيال التي يخاطبها القرآن. وعليه، فليس من الصواب اعتبار التحدي من جهة البلاغة العربية فقط، لأنها ليست اللغة المشتركة بين الإنس والجن قاطبة. وفي هذا يحدد مالك بن نبي ثلاث صفات أساسية لمفهوم الإعجاز:
“أولا: أن الإعجاز، بوصفه (حجة)، لا بد أن يكون في مستوى إدراك الجميع، وإلا فاتت فائدته، إذ لا قيمة منطقية لحجة تكون فوق إدراك الخصم، فهو ينكرها عن حسن نية أحيانا. ثانيا: ومن حيث كونه وسيلة لتبليغ دين: أن يكون فوق طاقة الجميع. ثالثا: ومن حيث الزمن: أن يكون تأثيره بقدر ما في تبليغ الدين من حاجة إليه” (7).
إذن، فالتحديد الدقيق لإطار التحدي و(إعجاز القرآن) يستوجب تحديد ما يدخل في حدود قدرة الإنس والجن، وما يخرج عن دائرة قدرتهم، ويكون في نفس الوقت صفة ملازمة للقرآن عبر العصور والأجيال، يدركها العربي إما بذوقه الفطري أو بتذوقه العلمي، ويدركها أيضا غير العربي بأبعاد أخرى.
فما الذي يمكن أن يدعى الإنس والجن للاجتماع والتعاون والتآزر للقيام به، فيعجزون عليه؟ من الواضح أن الأمر متعلق بالمعرفة والحضارة، ليس بجانبها اللغوي فقط، وإنما بمختلف أبعادها: اللغة والبيان، التشريع الاجتماعي، النظام الأخلاقي، البناء الحضاري، إضافة إلى علم الغيب الذي يعجز الإنسان على الإحاطة به، ونقصد به: خبر الأولين، وعلم الساعة، والحياة بعد الموت، والكائنات غير المرئية.
فالتحدي القرآني متعلق بإتقانه وإحكامه في كل النواحي: شكلا ونظما، ومضمونا وخطابا، ودفعا وتأثيرا، ومرونة وتفاعلا مع ظروف البشر الذين يخاطبهم ومتغيرات بيئتهم الزمنية والمكانية فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ، ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ [سورة الملك:3-4]، مما تعجز البشرية مجتمعة عن الإتيان مثله، أيا كانت تجاربها وخبراتها العلمية والفكرية والحضارية.
هذا ما يقود إلى الميل للقول بأن التحدي القرآني يكمن أساسا في تعبيره عن ثلاثة أبعاد: • العلم المطلق (في مقابل محدودية العلم البشري)، • العدل المطلق، • الإحسان المطلق (بمعنى الإتقان والإحكام في الصنعة والأداء).
هذه الأبعاد الثلاثة هي التي تمثل في رأينا مناط التحدي العام ومفصل الإعجاز في الخطاب القرآني.
في مقابل ذلك، من الملاحظ أن القيم الأساسية التي يدعو إليها الخطاب القرآني تدور حول ثلاثة أصول جامعة هي: التوحيد، والتزكية، والعمران ( 8 ). وقد عبّر الخطاب النبوي عن هذه القيم الأساسية في حديث (شعب الإيمان): “الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة . فأفضلها قول لا إله إلا الله [التوحيد]. وأدناها إماطة الأذى عن الطريق [العمران]. والحياء شعبة من الإيمان [التزكية]” (9).
ويقود هذا إلى الميل للقول بوجود نوع من التقابل بين هذه الأصول وبين أبعاد التحدي المذكورة: حيث أن الإنسان مطالب بالسعي والكدح لتحقيق أقصى ما يمكن له تحقيقه، مع التسليم بعجزه عن بلوغ الكمال: • التوحيد في مقابل العلم المطلق • التزكية في مقابل العدل المطلق • العمران في مقابل الإحسان المطلق
ويعتمد البحث في هذا المسلك على النص القرآني، إضافة إلى أدوات من الاختصاصات التالية: تاريخ القرآن، علوم القرآن، علوم الحديث، علم تراجم الرجال، علوم اللغة، علوم البلاغة، الشعر الجاهلي، علم التفسير، السيرة النبوية، النقد الأدبي…
هذا هو، إذن، المدخل لدراسة القرآن الكريم ولأي عمل موسوعي حول القرآن الكريم.
الهوامش:
1- انظر كتاب (الدين)، محمد عبد الله دراز 2- من بين المهتمين بهذا المسلك وعلاقته بمسائل الإيمان: هارون يحي في كثيرمن كتبه، وموريس بوكاي في كتابه (القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم)، وفرنسيس كولينز في كتابه (لغة الله The Language of God) وأرماند نيكولاي في (مسألة الألوهية The Question of God) وروبرت وينستون في كتابه (قصة الله: The story of God). 3- يعتبر (قصة الإيمان) لنديم الجسر و(كبرى اليقينيات الكونية) لمحمد سعيد رمضان البوطي، و(موقف العقل والعلم والدين من رب العالمين وعباده المرسلين) لمصطفى صبري من أبرز الكتابات الإسلامية التي غطت هذا المبحث. 4- انظر (الظاهرة القرآنية) لمالك بن نبي، (الدين) لمحمد عبد الله دراز 5- انظر (مصدر القرآن)، إبراهيم عوض 6- محمد عبد الله دراز، النبأ العظيم: ص 67-68 7- مالك بن نبي، الظاهرة القرآنية:64-65 8- طه جابر العلواني، التوحيد والتزكية والعمران، مجلة قضايا إسلامية معاصرة، بيروت، ع16-17، 2001 9- رواه مسلم، في المسند الصحيح: 35.