للقراءة الهادئة: أكرم الزريبي (محامي): ما علاقة الفصل 5 من مجلة الأحوال الشخصية بالشرع الاسلامي؟
تعليقا على منشور السيد وزير العدل الأخير بإلغاء المنشور السابق المتعلق بمنع زواج التونسية المسلمة بغير مسلم، وعلى اثر ما بينّاه بقراءة موضوعية قانونية بعيدة عن التجاذبات الأيديولوجية او العقائدية بأنّ مجلة الأحوال التونسية لم يسبق لها منذ صدورها ان شرّعت لذلك المنع، تناقل بعض الأصدقاء موقف زميل محترم يذكر فيه أنّ منع زواج التونسية المسلمة من غير مسلم كان يستمدّ أساسه التشريعي من احكام الفصل 5 من م ا ش التي نصّت على ما يلي:” يجب أن يكون كلّ من الزوجين خلواً من الموانع الشرعيّة”. فأعتبر الزميل المحترم أنّ عبارة “الموانع الشرعيّة” تعني الموانع التي ضبطها “الشرع الاسلامي”، مؤكدا أنّ استعمال عبارة “الشرعيّ” في القانون التونسي كانت دائما ما ترد في اطار الإشارة الى الشرع الاسلامي. مع تقديرنا العلمي لهذا الموقف، والذي لا ننكر أنّ بعض فقهاء القانون والقضاء مالوا اليه في مراحل من تاريخ القضاء التونسي، فإنّه يعكس في الحقيقة نقاشا فقهيا اكاديميا رائعا شغل بال طلاب القانون وفقائه في المنظومة القضائية التونسية المعاصرة. هل يمكن لنا التسليم بأنّ المشرع التونسي قصد فعلا بعبارة “الموانع الشرعية” الموانع المنصوص عليها بالشرع الاسلامي!؟ تحليلنا هنا موضوعيا وقانونيا بحتا ولسنا بصدد تحليل ديني، لأن فقهاء الاسلام السابقين والمعاصرين اختلفوا طرائق قدداً في هذا الموضوع وسنستعرض اهم الخلافات الفقهية التي ظهرت في هذا الموضوع حتى نفهم جليًّا أهمية الطرح الذي نحن بصدد بيانه: 1- فريق أجاز للمسلم الزواج من الكتابية وَحَرَّم على المسلمة الزواج من الكتابي، والكتابي هو من أهل الكتاب اي يهودي او نصراني. 2- فريق حَرَّم الزواج على كلّ من المسلم والمسلمة بغير مسلمة وبغير مسلم، سواء أكانوا مشركين او من أهل الكتاب، تمسكا بالآية الواردة بسورة البقرة “ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمنّ ولأمَةٌ مؤمنةٌ خَيْرٌ من مشركةٍ ولو أعجبتكم ولا تُنكِحُوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبدٌ مؤمنٌ خيرٌ من مشركٍ ولو أعجبكم” واعتبروا أنّ النصارى الذين يؤمنون بألوهية عيسى عليه السلام هم مشركون وكفرة بصريح القرآن. كما أنّ اليهود الذين يقولون ان عُزَيْرًا ابنُ الله هم مشركون وكفرة. 3- فريق أجاز للمسلم الزواج من الكتابية وأباحوا له التمتع بالمشركة واعتبارها ملك يمين أو من سبايا الحرب!!! وهذا يطرح نقاشا طويلا حول الالاعيب الفقهية المشوهة لنقاوة الاسلام والتي استباحها بعض السلف من “الفقهاء” لتبرير سيطرة الثقافة الذكورية في المجتمع الاسلامي، بأساليب واحكام ما انزل الله بها من سلطان. 4- فريق لم ير تحريم زواج المسلمة بالمشرك ولا تحريم زواج المسلم بالمشركة اذا كان في نيّتهما العمل على هداية الطرف الذي سيتزوجان منه للإسلام، وأنّ آية سورة البقرة التي أوردتها سابقا ليست اية تحريم بل هي تخيير للأفضلية، أما آية “فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهنّ الى الكفّار لا هنّ حلّ لهم ولا هم يَحِلُّون لهنّ” فهي حكم خاص متوقف على المرأة المسلمة زمن المواجهة بين المسلمين وكفار قريش وغيرها من القبائل العربية التي كانت مشركة وناصبت المسلمين العداء وسعت الى استئصالهم، فالآية اذن تهم المؤمنات اللاتي هاجرن خلسة الى المدينة خوفا من بطش الكفار، فسياق الآية مرتبط بظرف اجتماعي وسياسي وثقافي مختلف جدًّا. فكما تجد الْيَوْمَ زوجا “مسلما” شريرا يفتن زوجته في دينها ويدفعها للرذيلة ويؤثّر عليها كي لا تؤدّي فرائضها الدينية، تجد بالمقابل زوجا “غير مسلم” متزوجا من مسلمة يكرمها ويحترم عقيدتها بل وينقلها بسيارته للمسجد يوم الجمعة، وينتظرها لحين فراغها من الصلاة، ويشجعها على صيام رمضان، ويحترم صيامها فلا يجاهر بالاكل أمامها، ولا يقربها طيلة فترة الصيام في النهار. هذه حقائق معاصرة، فكم من زوجة صالحة بحكمتها وحسن تدبيرها هذبت من سلوك زوجها وهدته الى طريق الاستقامة والعكس أيضا صحيح.
إنما أوردت هذه المواقف المختلفة من فقهاء الاسلام المعاصرين والسابقين للدلالة على أنّ الموقف الفقهي مختلف جدا في الشريعة الاسلامية، فان نحن سلمنا بأنّ عبارة “الموانع الشرعية” نقصد بها “موانع الشرع الاسلامي” فأيّ الفقهاء سنتبع!؟ وما الحكمة في عدم تنصيص المشرع صراحة على عبارة “الشرع الاسلامي” بدل الاكتفاء بعبارة “الموانع الشرعية” فكل الفقهاء المدنيين والدينيين متفقون أنّ لفظ “الشرعي” ليس حكرا على الاسلام بل هو كلّ نظام متبع سواء أكان إلهيا أو بشريا. ومع ذلك لنفترض جدلا بأنّ المشرع التونسي في عام 1956 قصد فعلا الموانع الشرعية وفق الشرع الاسلامي بعبارته التي اوردها في الفصل 5 من م أ ش، إذا كان الامر كذلك فلماذا يعيد في الفصول من 14 الى 20 من ذات المجلة سرد قائمة حصرية في موانع الزواج تحت عنوان كبير وصريح ” في موانع الزواج” وهي قائمة مُفَصَّلة ومستمدّة في أغلبها من الاسلام، اي انها ذات أساس ديني وليس مدنيا، فمنع الزواج من المطلقة ثلاثا ومنع الزواج من المرأة في عدَّتها ومنع الزواج بسبب الرضاعة واعتبار ان ما يحرّم بسبب النسب والمصاهرة يحرّم بسبب الرضاعة، هي في الحقيقة احكام صريحة مستمدة من آيات القرآن ومن الأحاديث المنسوبة الى النبيء، ولا تستند الى أيّ تبرير مدني لائكي، ممّا يدحض عن مجلة الأحوال الشخصية تهمة مخالفة الدين الاسلامي، فهي في الحقيقة تتبنى مفهوما حداثيًّا ومعتدلا لتفسير النص الديني المقدس، يميز بين اجتهاد الفقهاء واختلافاتهم عبر التاريخ وبين مقاصد الشريعة الاسلامية، لتبقى المجلة في النهاية عملا بشريا نسبيا قابلا دائما لمزيد التطوير والتعديل. وترتيبا على ذلك ألا يكون مثيرا للانتباه كيف يحرص المشرع التونسي في مجلة الأحوال الشخصية على افراد فصل كامل لتحجير التزوج من المطلقة ثلاثا “الفصل 19: يحجّر على الرجل أن يتزوّج مطلّقته ثلاثا” ويخصص فصلا كاملا لتحجير التزوج من المعتدة قبل انقضاء عدتها “الفصل 20: يحجر التزوج بزوجة الغير او معتدته قبل انقضاء عدتها” ويضع قاعدة فقهية إسلامية في الفصل 17 مفادها انه “يحرم من الرضاعة ما يحرّم من النسب والمصاهرة”، فهل يعقل ان يضع المشرع التونسي كل هذه الأحكام المستمدة من الشريعة الاسلامية رغم أنها أحكام صريحة في القرآن والسنة ولم يختلف حولها فقيهان على مرّ الازمنة ثمّ يغفل عن الحسم في خلاف فقهي عويص يتعلق بزواج المسلمة بغير مسلم وبزواج المسلم بالنصرانية او اليهودية فيحيل ضبط هذه المسألة للشرع الاسلامي في نقطة اختلف فيها فقهاء الاسلام اختلافا شديدا؟؟؟؟ فهل يقبل ذلك من مشرّع مدني يفترض منه إِنْ هو استمدّ احكامه من شرع ديني متناغم مع ثقافة المجتمع - وهذا ليس عيبا طبعا - أنْ يستمدّ حكما صريحا يتبناه مدنيا ولا يحيل بعبارة غامضة على بحر متلاطم من الخلافات الفقهية، وفي الوقت نفسه يحرص على التنصيص على احكام مستمدة صراحة من القرآن ولم يحدث بشأنها اي خلاف كما أوضحنا سابقا!؟
وبناء على ذلك فإنّ عبارة “خلواً من الموانع الشرعية” التي اوردها الفصل 5 من م ا ش لا تعني سوى الموانع القانونية التي سترد تباعا بالفصول من 14 الى 20 وهذا اُسلوب قانوني في التشريع المدني معروف جدا لمن هو مختص في صياغة النصوص القانونية، اذ يتم تقديم المبدأ العام في نطاق التعريف بالمادة ثم تأتي فصول لاحقة لتفصيل المبدأ، فالفصل 5 ورد ضمن عنوان “في الزواج” اي تعريف الزواج من الفصول 3 الى 10 وهي كلها فصول اوردت احكاما مبدئية تعريفا لمؤسسة الزواج ومنها الفصل 5 الذي يتعلق بأهلية التعاقد في عقد الزواج وهذا نصه كاملا: “يجب أن يكون كلّ من الزوجين خلوا من الموانع الشرعية، وزيادة على ذلك فكل من لم يبلغ عشرين سنة كاملة من الرجال وسبع عشرة سنة كاملة من النساء لا يمكنه أن يبرم عقد الزواج. وإبرام عقد الزواج دون السن المقرّر يتوقف على إذن خاص من الحاكم. ولا يعطى الإذن المذكور إلا لأسباب خطيرة وللمصلحة الواضحة للزّوجين”.
اذن واضح من عبارات هذا الفصل انه فصل اجرائي يضبط شروط أهلية طرفيْ العقد لابرام الزواج، ومنها ان يكون كلا الزوجين خلوا من الموانع الشرعية - اي الموانع التي سيرد تفصيلها وبيانها في هذه المجلة - ومنها السن الدنيا الواجب توفرها في كل واحد من الزوجين وضوابط النزول الى ما دون تلك السن.