في معنى قوله تعالى في أول ما نزل من الوحي: “اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ”

للمفكر السوري جودت سعيد كتاب بعنوان “اقرأ وربُّك الأكرم”.. أشار فيه إلى فكرة هامة في معنى هذه الآية من سورة العلق، والتي اعتمدها عنوانا لكتابه، وهي: أنّ الذين ينالون كرم الرب وغناه هم القرّاء (بمعنى أصحاب المعرفة المتراكمة بواسطة القراءة)، أو أكثر الناس قراءة في عصرهم..

1- فاليونان كانوا أكثر الناس قراءة وكتابة أيام حضارتهم، وهم الذين نالوا كرم الرب وكرامته بين العالم، فقد سيطروا على أكبر رقعة في العالم..

2- والمسلمون، انطلقوا من كلمة (اقرأ). وهم في عصرهم كانوا أقرأ الناس.. فنالوا كرم الرب وكرامته من سعة ومكانة في العالم..

3- وإذا نظرنا حولنا في هذا العصر الذي نعيش فيه، نجد أن الذين يتمتعون بخيرات العالم حاليّا، وينالون من الكرم والكرامة، إنما هم الذين أمسكوا بزمام المعرفة أكثر من غيرهم..

وفي هذا المعنى إشارة إلى أن التقدم في الدنيا واكتساب كرامة الله مرهونٌ بالقراءة والمعرفة، وفتحِ الأبواب غير المطروقة سابقا، وعدمِ الاكتفاء بقول من مضى وعمل من سلف.

وقد وردت إشارات كثيرة أخرى في القرآن الكريم، إلى المعرفة بأدواتها (العقل، القلم، القراءة، التفكر، التدبر):

  • “ن.. وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ” (سورة القلم: 1)،
  • “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ، إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ” (سورة الزمر: 9)،
  • “شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُو العِلْمِ قَائِماً بِالقِسْطِ” (سورة آل عمران: 18).

وأعلى من شأن العقل، وذَمَّ إهمالَه:

  • “إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ” (سورة يوسف: 4)،
  • “إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ” (سورة الأنفال: 22).

ثم دل القرآن على أهمية طلب البرهان والدليل:

﴿- “قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” (سورة البقرة: 111).﴾

وذمَّ الظنَّ لأنه لا يقوم على البحث والنظر:

  • “إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ” (سورة الأنعام: 116)..
  • “وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا، إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً” (سورة يونس: 36)..
  • “وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ، إِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ” (سورة الجاثية: 24).

وهكذا تُوجِّه كلُّ هذه الآيات رسالةً واحدةً كبيرةً، مفادها أن: استخدِم عقلَك، ودع الكسل، واطلب البرهان والدليل، وَاسْعَ للمعرفة والاكتشاف.. فهو السبيل الوحيد لاكتساب الكرامة الربانية: “اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ”.