من زمان لم أسمع لخطبة عيد بالمستوى الجيد الذي قدمه اليوم بأوتاوا في مركز المعارض (EY Center) ، صديقنا الحبيب د. جاسر عودة أستاذ أصول الفقه في عدد من المعاهد الإسلامية بكندا وأوروبا وجنوب أفريقيا..

إمام وفقيه واعٍ ومدرك للسياق الديني والثقافي والسياسي.. لو كان غيره لقرأ السور القرآنية التي تعوّد عليها الناس في كل صلاة عيد بحجة أنها سنّة نبوية (سورة الأعلى وسورة الغاشية)، في حين لا دليل على التزام النبي (ص) لهما في كل عيد..

الدكتور تلا في الركعة الاولى، من سورة آل عمران: وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.. إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ.. وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ.. أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ..

وفي الركعة الثانية، من سورة الأحزاب: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا.. لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا.. وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا..

وخصص خطبته القصيرة (10 دقائق تقريبا) بكاملها عن غزة وفلسطين، مستشهدا بحديثين نبويين، الأول: “مَثَلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجسَدِ: إذا اشتكَى منْهُ عُضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى.” ليشرحه في علاقة بمفهوم التضامن والنصرة لغزة، كفريضة دينية..

والثاني: “انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ.” وشرحه في مستويين: 1- نصرة المظلومين في غزة (إخواننا في الدين).، 2- ونصرة الظالمين في الطبقة السياسية والحكومة الكندية (إخواننا في المواطنة)، بالضغط عليها من أجل التخلي عن دعم الظلم والقتل الحاصل في غزة.. وأن مسؤوليتنا كمسلمين كنديين هي بيان الانهيار القيمي والأخلاقي للحكومة الكندية التي خالفت كل القيم العليا التي تأسست عليها الدولة الكندية المعاصرة، وميّزتها على الصعيد الدولي (العدل، احترام التنوع، المساواة، الأمن، الديموقراطية).. وهذا ما يجعل الحكومة وكل الطبقة السياسية في امتحان أخلاقي، إما أن يظهروا خلاله كمنافقين (في إشارة للآية التي تلاها من سورة آل عمران)، أو يتوبوا ويتراجعوا..

ولذلك امتنع منظمو صلاة العيد هذه المرة عن دعوة بعض الوزراء كما جرت العادة سنويا، لإلقاء كلمة قبيل صلاة العيد لتهنئة المسلمين، باعتبار الغضب الشديد الذي عبرت عنه الجالية من نفاق الطبقة السياسية..

هذه الخطبة بالنسبة إليّ هي أفضل ما يمكن ان يقال في السياق الراهن.. ولو لم يخترها هكذا د. جاسر عودة لخيّب ظني.. ولكنه توفق تماما للأفضل.. وهذا هو الأصل في الخطابة.. ولو كنت خطيبا اليوم لكانت خطبتي حتما في نفس الموضوع ونفس الأسلوب تقريبا..