هذه الخطبة ألقيتها في المركز الإسلامي بكيبك سنة 2001..
في سورة المؤمنون: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾
استحضار عظمة الله
القرآن ينبه إلى أن سلامة المصير وحسن العاقبة في الآخرة، تقتضي من المسلم تربية نفسه على الخوف من الله والحذر من غضبه، من خلال استحضار عظمة الله.. لأن الإنسان كلما عظُم الشيءُ في نفسه أكثر، كلّما عاش الهيبة له أكثر.. وكلما ارتفعت منزلةُ الشخص لديه أكثر، كلما خشي من غضبه أكثر.. لأن موازين القوة والضعف هي التي تترك تأثيرها في نفس الإنسان..
فالإنسان – بطبيعته وغريزته - يخاف القويّ ويرهبه، ولذلك يحذر من إغضابه.. فكيف إذا كان القوي في مستوى قوة الله الذي هو الخالق والقادر، الذي له القوة جميعاً، وله العزة جميعاً، وهو المهيمن على الأمر كله، فلا يملك الإنسان شيئاً أمامه؟
ألا نقول عندما نشعر بالضعف: “لا حول ولا قوة إلا بالله”؟
أو عندما نشعر أمام كل المخاوف التي تنتظرنا في الحياة، والتي نخضع فيها لقضاء الله وقدره، نقول: “إنا لله وإنا إليه راجعون”؟
عندما يستحضر الإنسان عظمة الله في نفسه، فيتطلع إلى كل أسرار خلق الله في الكون، فيعظم الله في نفسه ويصغر ما دون الله في عينه، عندها يتولد في نفسه الخوف من الله..
أسباب المعصية وغياب الخشية
قد يعصي الإنسان ربّه لسبب أو لآخر.. قد نعصي الله من أجل تحقيق ما يرغبه الأهل أو الأولاد، وقد نعصي الله من أجل شهوة طغت على تفكيرنا في لحظة مّا.. وقد نعصي الله من أجل أناس يملكون مالاً أو جاهاً أو قوةً.. وقد نعصيه من أجل فكرة إيديولوجية أو انتماء سياسي أو اجتماعي.. والسبب أنه لم تتربَ عظمةُ الله في نفوسنا.. والله يريد لنا أن نربي عظمته في نفوسنا كي نضمن حسن الخاتمة:
﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى﴾
فكلما خِفتَ الله أكثر، ونهيتَ نفسك من خلال هذا الخوف عن الهوى الذي لا يرضاه الله، فإن الجنة هي محلك ومقامك..
والخوف من الله، هو أن تراقب الله في نفسك عندما تدعوك نفسك الأمّارة بالسوء إلى معصيته، أو عندما يدعوك الآخرون لمعصية الله ليرضوا عنك..
الخوف من الله هو أن توازن بين حجم الجنة وحجم الشيء الذي يمكن أن تحصل عليه من هذا الشخص أو ذاك، أو من نفسك..
الخوف من الله هو أن توازن بين حجم الشهوة التي حصلت عليها وبين غضب الله عليك، وغضبُ الله لا تقوم له السموات والأرض..
قال تعالى: ﴿وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه﴾
وفي آية أخرى قال تعالى مخبرا عن موسى عليه السلام: ﴿قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً﴾
وفي حديث رواه البخاري عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض”..
الخشية والعلم
إن الخشية الحقة، والخوف المحمود هو الحامل على العمل، الذي لا يزال يدفع بصاحبه إلى الطاعة، وينفّره من المعصية..
الخشية الحقة هي التي تربي القلب حتى لا يفرق بين معصية وأخرى، فلا ينظر إلى صغر المعصية، ولكن ينظر إلى عظمة من عصى..
والناس في خوفهم من الله متفاوتون.. ولهذا كان خوف العلماء في أعلى الدرجات.. وذلك لأن خوفهم مَقرُون بمعرفة الله، مما جعل خوفهم مقرونا بالخشية كما قال تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾
والخشية درجة أعلى وهي أخص من الخوف، فالخوف لعامة المؤمنين والخشية للعلماء العارفين وعلى قدر العلم والمعرفة تكون الخشية، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية”..
وسائل تربية الخشية في النفس
هناك أمور عديدة مساعدة على استحضار عظمة الله في نفوسنا وتربية مخافة الله في نفوسنا..
أولها: المداومة على قراءة القرآن وتدبّره، ودراسة الأحاديث التي تبين وتشرح رؤيةَ القرآن للكون والإنسان والحياة، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بمكانة الله واليوم الآخر في هذه الرؤية.
وتلاوة القرآن وتدبره بصورة دائمة أمر ضروري للمسلم يساعد على تثبيت الفؤاد، ويزكّي النفس، ويقوّي المؤمن في فترات الفتنة والشك والاستضعاف.. ويعطي المؤمن التصورات الصحيحة حول الله والحياة والكون والإنسان.. قال تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاّ * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً﴾
وثانيها: التفاعل مع الآيات الكونية وفهم أسرار الحياة في الطبيعة من مشاهدة حياة النبات والحيوان والإنسان وكل ما في هذا الكون من دلائل على قدرة الله في الخلق والإبداع.. قال تعالى: ﴿سنريهم آياتِنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحق﴾
ومن التفاعل مع الآيات الكونية عدم الوقوف أمام الظواهر الكونية عند الأسباب الظاهرة وإنما ردّها إلى مسبّبها، فاطر السماوات والأرض..
في الصحيحين عن عائشة، قالت: “ما رأيتُ رسولَ الله مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهواته.. إنما كان يتبسم.. وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف ذلك في وجهه. فقالت: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاءَ أن يكون فيه المطرُ، وأراك إذا رأيتَه عَرفتُ في وجهك الكراهية؟
فقال: “يا عائشة، ما يُؤمِّنني أن يكونَ فيه عذابٌ؟ قد عُذِّب قومٌ بالريح، وقد رأى قومٌ العذاب فقالوا: ﴿هذا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾” [الأحقاف: 24].
إحياء الخشية في واقعنا
إن استحضار عظمة الله في النفوس وخشية الله ومراقبته غابت في قاموس كثير من الناس.. غابت في التعامل مع الله، وفي التعامل مع النفس، وفي التعامل مع الناس: في القول والفعل، في البيع والشراء، في التربية الأسرية، والأداء المهني، في المجتمع والسياسة.. وفي الرؤية القرآنية، لن يكون لأي واحد منا نجاة في الآخرة إلا بإحيائها من جديد في نفوسنا، كي نضمن سلامة المصير يوم الحساب..
قال الحسن البصري: “لقد مضى بين يديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم”.
وقال أيضا: “عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن تُرَدَّ عليهم، إن المؤمن جمع إيمانًا وخشية، وإن المنافق جمع إساءة وأمنًا”..
وروى البيهقي عن العباس عم الرسول قال: “كنا جلوسًا مع رسول الله تحت شجرة فهاجت الريح، فوقع ما كان فيها من ورق نخِر، وبقي ما كان من ورق أخضر، فقال رسول الله: ما مَثَلُ هذه الشجرة؟
فقال القوم: الله ورسوله أعلم.
فقال: مَثَلُ المُؤمن إذا اقشعرّ من خشية الله، وقعت عنه ذنوبُه وبَقِيَت له حسناته..
لقد عاش المسلمون الذين تلقوا هذا القرآن أول مرة، عاشوا مشاهد الآخرة فعلاً وواقعًا، كأنهم يرونها حقيقة، ولم يكن في نفوسهم استبعاد لذلك اليوم، بل كان يقينهم بذلك اليوم واقعا تشهده قلوبهم، وتحسّه وتراه وتتأثر وترتعش وتستجيب لمرآه.. ومن ثَمَّ تحولت نفوسهم ذلك التحول، وتكيفت حياتهم على هذه الأرض بطاعة الله، وكأن النار إنما خلقت لهم..
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم.