اعتنى الإسلام بالعلم عناية استثنائية. لم يجعله ترفًا ولا تخصّصًا نخبويًا، بل ربطه بجوهر الوجود الإنساني ذاته. خلق الله الناس بدون علم وأعطاهم أدوات التعلّم:
﴿والله أخرجكم من بطون أمّهاتكم لا تعلمون شيئًا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلّكم تشكرون﴾
العلم في القرآن: ليس معلومات بل نور
الأدلة القرآنية على مكانة العلم كثيرة، لكنها تتجاوز مجرّد التنويه إلى تأسيس رؤية كاملة:
﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾
﴿وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظلّ ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾
فالجهل عمى وظلمة وموت، والعلم بصر ونور وحياة. ليس هذا مجازًا بلاغيًا بل وصف لحالة الإنسان من الداخل.
﴿إنما يخشى اللهَ من عباده العلماء﴾ — العلم الحقيقي هو الذي يُورث الخشية.
﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط﴾ — بدأ الله بنفسه، ثنّى بملائكته، وثلّث بأولي العلم، واستشهد بهم على أعظم قضايا الوجود: التوحيد.
العلم يسبق العمل ويرشد إليه
في السنّة النبوية، العلم ليس مرتبة فحسب بل شرط:
قال صلى الله عليه وسلم: «من يُرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين».
وقال: «من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهّل الله له طريقًا إلى الجنة، وإنّ الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما صنع، وإنّ العالِم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء. وفضل العالِم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب. وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، وإنّ الأنبياء لم يورّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظّ وافر».
علّق الغزالي: “ومعلوم أنه لا رتبة فوق رتبة النبوّة، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك الرتبة”. وعلّق على استغفار الكائنات للعالم: “وأيّ منصب يزيد على منصب من تشتغل ملائكة السماوات والأرض بالاستغفار له؟ فهو مشغول بنفسه، وهم مشغولون بالاستغفار له”.
استدلّ العلماء أيضًا على أنّ العلم أفضل من العبادة النافلة، لأسباب عدّة: العلم شرط لقبول العمل، ونفعه يتعدّى إلى الغير بينما العبادة قاصرة على صاحبها، والعلم يبقى بعد الموت بينما نفع العبادة ينتهي غالبًا بانتهائها. والعلم صفة من صفات الله بينما العمل صفة المخلوقين.
ما العلم الواجب على كلّ مسلم؟
قال صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم» — والمراد: كل إنسان مسلم، رجلًا كان أو امرأة.
اختلف العلماء في تحديد هذا العلم الواجب، لكنّ الخلاصة أنه يشمل:
- العقيدة: أن يعرف ربّه ونبيّه، ويستيقن بصدق الرسالة وأنّ القرآن من عند الله، آخذًا ذلك من الكتاب بما فيه من بيّنات تُقنع العقل وتُنير القلب، بعيدًا عن التقليد الأعمى.
- الأحكام العملية: ما يحتاج إليه في حياته من طهارة وصلاة وصيام وزكاة وحج، وأحكام الحلال والحرام في مأكله وملبسه وعمله وأسرته.
- الأخلاق والتزكية: ما يضبط سلوكه ويُعرّفه بآفات النفس والطريق إلى الله.
والمحصّلة أن يصل المسلم إلى حدّ يستطيع فيه أن يزن أفكاره ومشاعره وأقواله وأعماله بميزان الشرع، فيكون حكمه منطلقًا من الإسلام لا من الهوى:
﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾
لا حدّ للتعلّم
التعلّم في الإسلام لا يقف عند سنّ معيّنة. اشتُهرت حكمة: “اطلب العلم من المهد إلى اللحد”، وهي ليست حديثًا لكنها تعبّر عن روح الإسلام. قال أحمد بن حنبل: “إنما أطلب العلم إلى أن أدخل القبر”. وقيل لأحد العلماء: متى يحسن بالمرء أن يتعلّم؟ قال: “ما حسنت به الحياة”.
قال صلى الله عليه وسلم: «منهومان لا يشبعان: طالب علم وطالب دنيا».
آداب التعلّم من قصة موسى والخضر
استنبط العلماء من قصة موسى عليه السلام مع الخضر في سورة الكهف آدابًا أساسية:
- الحرص على العلم مهما كانت المشقّة، كما فعل موسى في رحلته إلى مجمع البحرين.
- التلطّف مع المعلّم واحترامه: ﴿هل أتّبعك على أن تعلّمَن ممّا عُلّمت رشدًا﴾
- الصبر: ﴿ستجدني إن شاء الله صابرًا ولا أعصي لك أمرًا﴾
- عدم الشبع من العلم: ﴿وقل ربّ زدني علمًا﴾
- إخلاص النيّة: أن يُطلب العلم لوجه الله. قال صلى الله عليه وسلم: «من تعلّم علمًا ممّا يُبتغى به وجه الله لا يتعلّمه إلا ليُصيب به عَرَضًا من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة».
كيف يتعلّم المسلم اليوم؟
الجواب يختلف باختلاف الأحوال، لكنّ المبادئ ثابتة:
- الأساس: التلقّي من عالم ثقة في علمه وتقواه وفهمه للدين والواقع معًا. ويجب التمييز بين العالم الفقيه والواعظ المؤثّر، فليس كل خطيب مفوّه ثقة في الفتوى.
- القراءة المختارة: الكتب المؤلّفة بأمانة علمية، مع الحذر من أنّ الكتب القديمة تحتاج أدوات خاصة لفهمها، والأفضل مدارستها جماعيًا.
- السؤال: فرض لا ترف. لا عذر في تركه حياءً أو كبرًا أو كسلًا. قال صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: «كيف أنت يا عويمر إذا قيل لك يوم القيامة: أعلمتَ أم جهلتَ؟ فإذا قلتَ علمتُ قيل: فماذا عملتَ فيما علمتَ؟ وإذا قلتَ جهلتُ قيل: فما عذرك فيما جهلتَ؟ ألا تعلّمتَ؟»
اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدنا علمًا.