السؤال الذي يُطرح دائما

يُثير بعض الناس سؤالا مشروعا حين يتحدثون عن العقاب والثواب: كيف يدخل النار مخترعون عظام، من أمثال باستور وكوخ وأديسون، قدّموا للبشرية خدمات جليلة، بينما يدخل الجنة أناس بسطاء لم يُقدّموا شيئا ظاهرا؟

المسألة ليست بهذا التبسيط. إنها مركّبة، تتضمن أكثر من وجه، وتستحق تفكيكا هادئا.

المعادلة القرآنية: الإيمان والعمل معا

القرآن والسنّة يضعان المعادلة بوضوح لا لبس فيه: الإيمان والعمل الصالح متلازمان. لا جدوى من إيمان بلا عمل صالح، ولا قيمة لعمل صالح بلا إيمان. ولعلّ هذين المصطلحين أكثر المفردات القرآنية تكرارا في اقتران:

﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الحج: 14]

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]

﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص: 28]

وفي سورة العصر اختزال بليغ: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾

المبدعون الغربيون: هل كانوا كفّارا حقا؟

لا يستطيع أحد أن يجزم بأن المكتشفين والمخترعين الكبار لم يكونوا في حقيقتهم مؤمنين. بل يُرجَّح أن عقولهم الكبيرة ونفوسهم المرهفة وتعاملهم مع حقائق الكون قادتهم ليس إلى الإيمان فحسب، بل إلى التوحيد. وقد أعلن بعضهم عن قناعته بوحدانية الله. يكفي الرجوع إلى كتاب “الله يتجلى في عصر العلم” لمتابعة عشرات العلماء الغربيين الذين قادهم البحث العلمي المتعمّق إلى ساحة الإيمان.

هل أعمال الغرب “صالحة” فعلا؟

إذا انتقلنا إلى واقع المجتمعات الغربية عموما، فإنها تعمل أعمالا حسنة لكن أغلبها يفتقر إلى الإيمان. ولذلك نرى فيها مظاهر القلق والتأزم واليأس والانحراف، وهي أشكال من العذاب اليومي لمجتمعات تعمل لكنها لا تؤمن.

والأهم من ذلك: القول بأن هذه الأعمال صالحة يحتاج إلى مراجعة. التحليل الموضوعي يبيّن أن كثيرا من التقدم الغربي بُني على استنزاف ثروات الآخرين واستعمارهم. الغرب يزن بميزانين: عدل واستقامة داخل دائرته، والتواء مع الشعوب الأخرى. والصلاح ليس مسألة نسبية يُختار بعضها ويُهمل بعضها. إنه نسيج متوحّد.

بمقياس الإسلام، يحتاج العمل إلى شرطين ليكون صالحا ومقبولا:

  • الأول: أن ينبع من العقيدة، لا من نسبيات المنافع والأهواء.
  • الثاني: أن تتوفر فيه صفات الإتقان والإحسان في سائر الممارسات.

قال رسول الله ﷺ: “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه”. وهذا الإتقان هو ما ضيّعناه في عصور تخلفنا بينما تشبّث به الغربيون زمن تأسيس حضارتهم.

مكانة البسطاء في ميزان الله

تبقى نقطة جوهرية: ماذا عن “البسطاء” الذين يدخلون الجنة دون أن يبدو أنهم قدّموا عملا كبيرا؟

الله يخبرنا أنه سيكافئ هؤلاء الناس ذوي الصفحات البيضاء والطوية السليمة والقلوب المشعّة نورا. كثيرون من البسطاء أطهار طيبون، يتوحّد فيهم الفعل والكلمة، فلا يعرفون النفاق ولا الازدواج. وهم الذين يلبّون نداء الحق أول من يلبّي، ويتجمعون بفطرتهم النقية حول كل نبي أو داعية، يدافعون عنه حين يلاحقه الكبراء.

هؤلاء هم نواة كل دعوة حق، وقاعدتها التي تتسع فتحوّل الفكرة إلى واقع. والقرآن يقف عندهم بمحبة واعتزاز:

﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52]

وفي سورة عبس عتاب إلهي واضح: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ﴾ [عبس: 1-3]

وفي سورة هود على لسان نوح: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [هود: 29]

قال رسول الله ﷺ: “ربّ أشعث مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه”.

خلاصة

إذا كانت الظروف والبيئة قد رفعت بعض الناس إلى القمة ومكّنتهم من الريادة والاكتشاف، فإن بقية الناس الذين لم تُتَح لهم الفرصة لن يُحرَموا من الثواب، ما داموا يؤمنون ويكدحون وينتجون كلّ حسب قدرته. فالعدالة الإلهية أوسع من موازيننا البشرية القاصرة.