الأمانة الأصلية

هناك خاصية تميّز كل مسلم وتعتبر من أبرز مسؤولياته: الأمانة التي قبلنا حملها حين رضينا بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيّا ورسولا. هذه الخاصية هي الدعوة إلى الله وتخليص الناس من العبوديات، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها.

الغاية من إرسال محمد ﷺ كانت إلحاق الرحمة بالعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. ومهمته الأولى كانت البلاغ المبين: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: 54]

تزكية الذات أولا

المطروح على كل مسلم سائر على خطى الرسول ﷺ أن يبدأ بتنمية نفسه وتزكيتها ليكون على مستوى الأمانة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]

لكن التزكية هنا ليست انسحابا من الحياة. ليست زهدا أعجميا في كهوف وجبال أو ابتعادا عن مخالطة الناس. ميدان تربية الذات أكبر من ذلك بكثير: إنه الحياة بكل ما فيها. التربية الميدانية التي تتم من خلال الممارسة والمعيشة الاجتماعية والمعاناة اليومية والتحديات المحيطة. الصلابة والاستيعاب وحسن المواجهة — وهذا ما تفرّد به الإسلام عن سائر الأديان بزهدها ورهبانيتها.

البلاغ المبين: المهمة والتربية معا

أهم وسيلة للتزكية هي عملية البلاغ المبين نفسها. هذه المهمة التي ابتُعث من أجلها الرسول ﷺ: ﴿وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [آل عمران: 20]

مهمة المسلم في كل عصر تتحدد بقدرته على تحمّل الإسلام وتربية نفسه عليه وأداء الرسالة. تبليغ الرسالة ودعوة البشرية إلى التوحيد هي حياة المسلم في الدنيا ونجاته في الآخرة: ﴿قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾ [الجن: 22-23]

ثمن الطريق

عملية البلاغ قد تكلّف صاحبها حياته بسبب شراسة من استحوذ عليهم الشيطان: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]. التضحيات التي تحمّلها الأنبياء ومن ساروا على طريقهم دليل على أنه الطريق الصحيح. والهروب من هذه التضحيات بدعوى اختصار الطريق أو وفرة النتائج هو في حقيقته ابتعاد عن الطريق وقفز فوق سنن الله.

أهمية الوسيلة

﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]

الوسيلة الحسنة حين نحسن اختيارها واستعمالها تمكّننا من تغيير الآخرين من الداخل: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34]. العدو اللدود يصبح صديقا مناصرا ودودا.

هذا التغيير من الداخل هو نفسه ما يمارسه الإعلام علينا صباح مساء: يرسم في أذهاننا الصور التي يختارها، ويصنع لنا الاهتمامات التي يريدها، ونُسلب كل قدرة على المواجهة بالمثل.

أزمة الإعلام

شوّه الإعلام صورة المسلم، وشكّك بدعوته، والتقط من واقع المسلمين صورا مشوّهة قدّمها على أنها الإسلام. أليس من العجيب بعد أربعة عشر قرنا أن تكون وكالات الأنباء العالمية جميعها بلا نصيب للمسلمين فيها؟

نحن مصابون بالعجز — ليس فقط عن إبلاغ دعوتنا، بل عن تقديم الحماية لصورتنا الإسلامية الصحيحة. لا يعوزنا المال في العالم الإسلامي لكننا بحاجة إلى الإنسان المستشعر للمسؤولية.

أين الحكمة التي أمرنا الله بها؟ تلك الحكمة التي قرنها بالكتاب لضرورتها: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113]. ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

الخلاصة

المهمة الأصلية لكل مسلم هي البلاغ المبين: حياتنا في الدنيا وهاجسنا الدائم ونجاتنا في الآخرة. همّنا الأكبر هداية الخلق لا الحقد عليهم. وشعارنا قول الرسول ﷺ: “عسى أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا”.

لا بد من إعادة النظر في وسائلنا، وإعادة المسلم إلى صورته الحقيقية، وتقديم الدليل على أن الإسلام دين الرحمة والحب للإنسان — لا ذاك الإسلام الذي صنعت صورته المخيفة وسائل الإعلام المعادية.