القرآن: كون معنوي يوازي الكون المادي
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ. وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ. إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ. تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
شبّه الشيخ محمد الغزالي القرآن الكريم بالكون الكبير الذي نعيش فيه، بل اعتبره كونا معنويا يضارع الكون المادي الذي خلقه الله. القَسَم هنا بعظمة أحد الكونين على عظمة الكون الآخر.
لكنّ واقع معظم المسلمين مع هذا الكون المعنوي مؤرّق. علاقتهم به يحكمها الهجر والعقوق، إلى درجة نخشى معها أن علل الأمم السابقة تسرّبت إلى العقل المسلم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾. نقل ابن تيمية عن ابن عباس وقتادة أن المقصود: غير عارفين بمعاني الكتاب، يعلمونها حفظا وقراءة بلا فهم.
أمّية عقلية في زمن التقليد
هذه الأمّية العقلية تسود الأمة في حال التقليد والغياب الحضاري: العجز عن تدبّر القرآن، والتعامل مع الأحداث، واتّخاذ المواقف، واكتشاف سنن الله في الأنفس والآفاق، والنفاذ من منطوق النص وظاهره إلى مقصده ومرماه.
وفي حديث نبوي مؤشّر دقيق على ما صرنا إليه. روى أحمد وابن ماجة والترمذي عن زياد بن لبيد الأنصاري: ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَقَالَ: “ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ”. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا؟ قَالَ: “ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَادُ.. أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟!”
العلم ليس مجرّد تلاوة. العلم فهم يقود إلى عمل.
ثلاثة مظاهر لأزمة الفهم
أولا: انكماش الرؤية القرآنية
الرؤية القرآنية في واقع حياتنا انكمشت. تحوّل القرآن من مراكز الحضارة وصناعة الحياة إلى الركود، حتى أصبح لا يُستدعى للحضور إلا في حالات الاحتضار والموت، أو عند زيارة القبور، أو عند أصحاب الأمراض المستعصية. قراءات لا تتجاوز الشفاه.
ثانيا: منهج تعليمي معكوس
الطريقة التي نتعلّم بها القرآن يصعب معها استحضار التدبّر والتذكّر. الجهد ينصرف إلى ضوابط الشكل من أحكام التجويد ومخارج الحروف. الإنسان في الدنيا كلها يقرأ ليتعلّم، أما نحن فنتعلّم لنقرأ. الهمّ كله ينصرف إلى حسن الأداء، وقد لا يجد المرء أثناء القراءة فرصة للانصراف إلى التدبّر والتأمّل. وقد لا يَعيب الناس عليه عدم إدراك المعنى قدر عيبهم عدم إتقان اللفظ.
ليس في هذا تهوين من أهمية ضبط الشكل وحسن الإخراج. لكنّ الدعوة هي لإعادة النظر في الطريقة، حتى يترافق التأمّل والتفكّر مع القراءة منذ البداية.
ثالثا: تقديس الفهم البشري
هذا أخطر المظاهر. التوهّم بأن الأبنية الفكرية السابقة هي نهاية المطاف، حتى انتشرت مقولة “لم يترك السلف للخلف شيئا ليجتهدوا فيه”. اعتقد كثيرون أن فهم القرآن رهين بفهم السلف في كل زمان ومكان وفي كل الأمور. وما رافق ذلك من النهي عن القول في القرآن بالرأي، وجعل الرأي دائما قرين الهوى وفساد القصد.
في هذا محاصرة للنص القرآني، وقصر فهمه على عصر معيّن وعقل محكوم برؤية ذلك العصر. وهو حجر على العقل وتخويف من التفكّر، يحول بين الإنسان والتدبّر المطلوب: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾.
الاقتصار على النقل يحاصر القرآن نفسه
الاقتصار على منهج النقل والتلقّي يحاصر الخطاب القرآني ذاته، ويقضي على امتداده وخلوده وقدرته على العطاء المتجدّد. إنه إلغاء لبعده المكاني: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، ولبعده الزماني: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وإلغاء للتكليف القرآني بالسير في الأرض والنظر في البواعث والعواقب: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.
والنبي نفسه أشار إلى إمكانية فهوم مستقبلية أعمق. في الحديث: “نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ كَمَا سَمِعَ.. فَرُبَّ مُبَلِّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ”. وفي رواية أحمد: “فَرُبَّ حَامِلِ الْفِقْهِ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ”.
كيف انتقلت القداسة من النص إلى الشيخ
شيئا فشيئا، تحوّلت القداسة من القرآن إلى السنّة فجُعلت حاكمة على القرآن، ثم انتقلت القداسة لفهم البشر، لفهم العلماء والشيوخ. وبقي القرآن والسنّة للتبرّك.
المشكلة المستعصية في اختلاط قداسة النص ببشرية التفسير والاجتهاد. أصبح رأي الشيخ أو العالم في تفسير نص هو الأمر الوحيد والممكن والأكمل لمدلول ذلك النص. وصار أي رأي آخر خروجا عن الإجماع أو بدعة. حتى انتهى بعض الفقهاء إلى القول: “كل آية أو حديث يخالف ما عليه أصحابنا، فهو مؤوّل أو منسوخ” — وهذا منسوب لأبي الحسن الكرخي من الأحناف.
تحرير العقل لا يعني القفز فوق التراث
لا ندعو إلى القفز فوق الفهوم التاريخية والاغتراف مباشرة من القرآن بلا مؤهّلات. ما نريده هو تحرير العقل من قيوده حيث حُرّم عليه النظر، والدعوة إلى نظر لا يتحقّق إلا باصطحاب الفهوم والاجتهادات السابقة دون الاقتصار عليها. فلكل عصر رؤيته في ضوء مشكلاته ومعطياته.
الدعوة إلى محاصرة العقل والحجر عليه هي التي ساهمت في الانصراف عن تدبّر القرآن، وأقامت الحواجز النفسية التي حالت دون النظر، وأبقت الأقفال على القلوب. وبدل أن يكون الميراث الثقافي وسيلة تسهّل الفهم وتغني الرؤية وتعين على التدبّر، أصبح من بعض الوجوه عائقا يحول دون هذا كله.
القرآن في مركز الدائرة
ما هو مطروح بإلحاح: كيف يمكن التعامل مع القرآن وتدبّر آياته والإفادة من معطيات العلوم وآلات الفهم، ليكون مصدر المعرفة في حياتنا الاجتماعية والفكرية؟
نحن بحاجة إلى إعادة استدعاء القرآن لساحة ثقافتنا، وإنهاء حالة الهجر بينه وبين عقولنا، وجعله المصدر الأول كما كان عند السلف: نرجع إليه لنستقي العلم والمعرفة في نظرتنا إلى الإنسان والحياة والوجود، في قضايا الفرد والأسرة والمجتمع.
نحتاج إلى النظر إلى القرآن كلّا وجزءا على أنه دعامة الأمة، وعقلها المفكّر، وضميرها الصاحي.