في حواراتنا الدينية، كثيرًا ما نستشهد بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية، ثم نكتشف أننا نفهم هذه النصوص بطرق مختلفة أو نستشهد بها في اتجاهات متباينة. وبقدر ما يخوض المسلم في التفصيلات والجزئيات، تتسع أمامه مساحات الاختلاف. هذا ما يجعل بعضنا يُصنّف نفسه سلفيًا، وآخر صوفيًا، وثالثًا خارج التصنيفين — بل نجد في كل تيار تصنيفات فرعية لا تكاد تنتهي.

لكنّ وراء كل هذه التصنيفات يكمن مستوى أعمق وأكثر جذرية: طريقة تعاملنا مع النص ذاته.

«ماذا قال؟» أم «ماذا أراد؟»

للإمام ابن القيم عبارة دقيقة في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين يصنّف فيها الناس في تعاملهم مع النص الشرعي:

«الألفاظ ليست تعبّدية، والعارف يقول: ماذا أراد؟ واللفظيّ يقول: ماذا قال؟»

المعنى واضح: ثمة صنف يتوقف عند السؤال «ماذا قال الله أو الرسول؟»، وصنف آخر يريد أن يعرف «ماذا أراد الله أو الرسول بهذا القول؟». والعلم الحقيقي — كما يرى ابن القيم — هو معرفة المراد، لأن معرفة ما قيل يصل إليها الجميع؛ فالطفل ذو العشر سنين قد يحفظ القرآن كاملًا دون أن نسمّيه عالمًا أو مفسرًا.

هذا التمييز هو ما أشار إليه أيضًا الشيخ محمد الغزالي حين قسّم الناس إلى «أهل الحديث» و«أهل الفقه»، وهو ما عبّر عنه علماء أصول الفقه بثنائية الظاهرية والمقاصدية.

أربعة أصناف لا اثنان

غير أن هذا التقسيم الثنائي يحتاج — عند النظر في الواقع — إلى تفصيل أدق. يمكن تصنيف المسلمين في تعاملهم مع النصوص الشرعية إلى أربعة أصناف رئيسية:

1. اللفظيون

يحصرون اهتمامهم في فهم ألفاظ الآية أو الحديث في وضعها اللغوي فقط، دون الاهتمام بفهم مراد المتكلم من خلال السياق. مثال على ذلك: تعامل بعض الفقهاء مع حديث النبي ﷺ: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ منه» (رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان). فقد قال بعضهم إن النهي خاص بالبول ولا يشمل الغائط، وإن النهي يخص فاعله دون غيره، وإن من بال في إناء ثم صبّه في الماء لم يدخل في النهي لأنه لم يبل «فيه» مباشرة. وهذا من الجمود على اللفظ حتى يضيع المعنى.

2. الظاهريون

يقفون عند ما أدى إليه الاستنطاق المباشر للألفاظ، دون النظر في العلل الباعثة عليها والحِكَم التي قصدتها. ميزتهم المنهجية: عدم البحث في العلل لتبيّن الحِكم والمقاصد. ويرون أن النصوص قد استوعبت كل ما اختلف الناس فيه وكل نازلة تنزل إلى يوم القيامة.

3. المقاصديون

يبحثون عن المعاني والمقاصد، ويقسّمون المقاصد إلى نوعين: مقاصد الكلام ومقاصد الأحكام.

مقاصد الكلام تعني البحث عمّا قصده الشارع من نصه وخطابه. مثلًا: قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ (آل عمران: 130). فالربا لا يُؤكل حرفيًا، والعلماء فسّروا «الأكل» بالاستهلاك وسائر التصرفات، بل ذهبوا إلى أن المقصود يشمل أيضًا الاكتساب والتملّك. ومعظم هذه المعاني لا يشملها النص الملفوظ، وإنما تأتي بالتدبّر والنظر في نصوص أخرى ذات صلة.

مقاصد الأحكام تعني التساؤل عن الحكمة: ما المصلحة المطلوبة من تحريم الربا؟ ما المفسدة المدفوعة؟ ما الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية؟

والمقاصديون يرون ضرورة الجمع بين اللفظ والمعنى: اللفظ هامّ لكونه مُنتِجًا للمعنى، والمعنى هامّ لكونه المنتَج المراد. فما يعيبونه على الظاهريين ليس عنايتهم بالألفاظ، وإنما الاقتصار عليها.

4. الباطنيون

يزعمون أن للنصوص بواطن هي بمثابة اللبّ الذي تغطيه القشرة الظاهرة، وأن تلك البواطن رموز وإشارات إلى حقائق معينة، وأن القدرة على فهمها لا يملكها إلا الخاصة — إما في هيئة إمام معصوم أو شيخ طريقة.

مساحة التوازن

اللفظيون والباطنيون يمثّلان طرفَي انحراف شديد عن رسالة الإسلام. أما الظاهريون والمقاصديون فيشكّلون معًا التيار الواسع للأمة الإسلامية الذي تدور فيه أغلب الاختلافات الفقهية.

ثلاث ملاحظات ضرورية على هذا التصنيف:

أولًا: لا يعني التصنيف أن المسلم يكون دائمًا ضمن صنف واحد. بل قد يكون الواحد منا لفظيًا في تعامله مع بعض النصوص، وظاهريًا مع البعض الآخر، ومقاصديًا مع غيرها.

ثانيًا: هذه الأصناف درجات متفاوتة. فقد يكون أحد الظاهريين أقرب إلى المقاصديين، وقد يكون أحد المقاصديين أقرب إلى الباطنيين.

ثالثًا: ليس المقصود الانتقاص من صنف أو مدح آخر، وإنما هو إطار منهجي يساعدنا حين نستحضره في فهم جذور الاختلاف والتنوع بيننا كمسلمين.