لماذا لم يحتفل الصحابة بالمولد؟

الصحابة لم يكونوا يحتفلون بمولد النبي صلى الله عليه وسلم ولا بالهجرة ولا بغزوة بدر. السبب بسيط: هذه الأشياء عاشوها بالفعل، وكان النبي حيا في ضمائرهم لم يغب عن وعيهم. كان سعد بن أبي وقاص يقول: “كنا نُرَوّي أبناءنا مغازي رسول الله كما نحفّظهم السورة من القرآن”. كانوا يحكون لأولادهم ما حدث في بدر وأحد والخندق كما نحكي نحن لأولادنا القصص والحكايات.

ثم جاء عصر نسي فيه الناس هذه الأحداث وأصبحت غائبة عن وعيهم وضمائرهم. فاحتاجوا إلى إحياء هذه المعاني التي ماتت والتذكير بهذه المآثر التي نُسيت. الاحتفال بالمولد ليس احتفالا بتاريخ ميلاد، بل هو احتفال بمولد الرسالة واستحضار لسيرة رسول الله.

تاريخ الرسول هو تاريخنا

تاريخ النبي صلى الله عليه وسلم بكامله هو تاريخنا. فرسول الله ليس محصورا في زمن، بل له التاريخ كله، لأنه هو الذي صنع لنا التاريخ من خلال رسالته وجهاده ومعاناته في سبيل أن يبلّغ الرسالة ويبعث الأمة ويعلّمها الكتاب والحكمة. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾. للناس الذين كانوا معه وللناس الذين جاؤوا بعده. فالرسول يموت لكنه باق في رسالته.

تحديد الهوية في عصر التحديات

نحن نعيش في ساحة تتصارع فيها الأفكار وتختلف فيها الديانات والتيارات. هناك أكثر من ديانة تتحرك على مستوى التحدي للإسلام أو التبشير بغيره، وهناك تيارات علمانية متنوعة بعضها إلحادي وبعضها ينكر الشريعة دون إنكار الإيمان.

في مقابل ذلك، علينا أن نحدد هويتنا الإسلامية بحيث يكون عقلنا عقلا إسلاميا وقلوبنا قلوبا إسلامية وحياتنا حياة إسلامية يعيشها كل واحد منا في نفسه وبيته ومجتمعه.

الإسلام يجب أن يكون الأساس الذي ترتكز عليه خطواتنا وعلاقاتنا، بحيث تكون كل حياتنا خاضعة لكلمة الله ولكلمة الرسول صلى الله عليه وسلم.

مسؤولية الدعوة ليست اختيارية

للنبي مهمة أدّاها في تبليغ الرسالة وتعليم الناس وتزكيتهم وإخراجهم من الظلمات إلى النور. ويبقى للأمة بعده أن تستمر في حمل الرسالة. فالمسلمون ليسوا معنيين بأن يبقوا على الإسلام فحسب، بل هم معنيون بأن يُعرّفوا الآخرين به.

كثير من البلاد التي يغلب عليها الإسلام اليوم لم تدخل فيه من خلال الفتوحات، بل من خلال التجار والعمال وطلبة العلم الذين كانوا يملكون بعض ثقافة الإسلام فكانوا يدعون الناس إليه بالإضافة إلى أعمالهم. قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾.

الاتّباع لا الهتاف

يقول تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾. محبة الله ليست مجرد مشاعر نعبّر عنها بالكلمات، بل هي الموقف الذي يجعلنا نتحرك في خط رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.

ويقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. الرسول ليس مجرد إنسان يُهتف باسمه، بل أُرسل برسالة الله ليُطاع بإذنه.

ثم يأتي المعيار الحاسم: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. التحكيم يكون بشخصه حال حياته، وبرسالته بعد غيابه عن الدنيا.

ويؤكد هذا المعنى في آية أخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. المؤمن عبد لله وحرّ أمام العالم.

تجديد البيعة

الاحتفال بذكرى المولد يفرض علينا تجديد إسلامنا والتزامنا بالرسالة. والتقوى هي سبيل المسلمين: أن لا يجدك الله حيث نهاك ولا يفقدك حيث أمرك. ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.