من ينظر إلى المسلمين يلاحظ اختلافًا واسعًا في كيفية التعامل مع القرآن ومظاهر التفاعل معه والتأثر به. وحين يسألنا غير المسلمين عن سرّ تأثرنا بهذا الكتاب، أو حين نسأل المسلمين الجدد عن سبب دخولهم في الإسلام، نجد في أغلب الإجابات تعبيرًا عن مشاعر وجدانية عميقة.

في مطالعاتي وجدت استعارتين جميلتين تعبّران عن أصناف المتعاملين مع القرآن، تستحقان العرض والتأمل.

الاستعارة الأولى: القرآن دولة

قدّمها الدكتور محمد فضل الرحمن الأنصاري — أستاذ جامعي باكستاني الأصل، متخصص في الدراسات القرآنية، درّس في الستينيات بجامعة ماكجيل بمونتريال ثم في جامعة شيكاغو — في كتابه أسس المجتمع المسلم وبنيته في القرآن (أربعة مجلدات بالإنجليزية).

شبّه فضل الرحمن القرآن بالدولة. والبشر في نظر الدولة ثلاثة أنواع:

المواطنون: أولئك الذين يتبنّون القرآن. وهم ينقسمون بدورهم إلى طبقة السلطة (الفقهاء والعلماء)، وطبقة الجنود المدافعين عن حدود الدولة، وطبقة العامة التي تعيش بهدوء وبساطة في كنف القرآن.

الأجانب: الذين لا يتبنّون قوانين القرآن ومبادئه.

الغزاة المحاربون: الأعداء الذين لا يكفّون عن محاربة القرآن، بإهانته والتعدي على حرماته وحدوده.

الاستعارة الثانية: القرآن محبوب

قدّمها الدكتور فريد إسحاق — مفكر إسلامي من جنوب أفريقيا، عُرف بنضاله ضد نظام الفصل العنصري — في كتابه القرآن: دليل الاستعمال. ما يثير الاهتمام في تصنيفه اعتماده على مفهوم الحب والكره لتقسيم المتعاملين مع القرآن إلى ستة أصناف.

الصنف الأول: المحبّ بلا نقد

يمكن مقارنته بحال المحبّ الذي لا يملك نظرة نقدية تجاه محبوبته. حضورها وجمالها يجعلانه في حالة وجدانية تنسيه واقعه وأحزانه، وتمنحه الاستقرار واليقين في عالم مضطرب. القرآن يمثل لهذا المحبّ كل شيء. وحين يُسأل: «ما الذي تجده فيه؟» — يجيب مستغربًا: «ماذا تقصدون؟ أرى فيه كل شيء. ألم ينزل ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (النحل: 89)؟ ألا ترى أنه ﴿شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (يونس: 57)؟ أن تكون مع القرآن يعني أن تكون مع الله.»

هذا المحبّ مكتفٍ قانع بلذة العلاقة مع محبوبته ولا يطرح على نفسه تساؤلات بشأنها. وحين تأتيه تساؤلات من الخارج — عن أصل النص أو لغته أو تاريخه — يعتبر مبعثها الغيرة والحسد. ولذلك يتحاشى سماعها لأنها تشوّش عليه لذته.

الصنف الثاني: المحبّ العالِم

يرغب في شرح مظاهر جمال محبوبته للآخرين وأسباب تعلّقه بها. يهتم بأدقّ التفاصيل في فضائل القرآن وأصله وتاريخه وطبيعته. يتحسّر من عجز الآخرين عن إدراك جمال القرآن وانسجام هيئته وغزارة حكمته. والقرآن في نظره «فريد في صنعته، وليس يمنع الآخرين من إدراك ذلك إلا العمى والغيرة والجهل.» هذا صنف العلماء المتديّنين.

الصنف الثالث: المحبّ الناقد

مقتنع بسحر محبوبته وجمالها، لكنه يرى أن مواجهة التساؤلات المشكّكة في طبيعتها وأصولها ولغتها تمثّل ضريبة حبّه القوي — بل يرى فيها فرصة لتعميق هذا الحب وتقويته.

يتميّز بقدرته على الحوار مع جميع الأصناف الأخرى. وينظر إلى الصنفين الأولين بنوع من عدم الرضا، لأن محبتهما لا تُبرز القيمة الكاملة للقرآن. يعتقد أن القرآن قادر على ما هو أكثر من الجمال الظاهر — يجب أن يعود من جديد صانعًا للحضارة والثقافة والفنون في مجتمعنا المعاصر.

الصنف الرابع: صديق المحبّ

ينتمي إلى عالم غير المسلمين، ويمثل خطًّا فاصلًا بين المحبّ الناقد والمراقب المشكّك. يشبه حالة الأصدقاء الذين ينظرون بإعجاب إلى أصدقائهم ويتساءلون: «هل ما زال يحبّها؟ وهل سيستمر تعلّقه بنفس الوتيرة؟»

هو الصديق غير المسلم القريب من المسلم، يرى القرآن بعين التقدير والاحترام. يسمّيه فريد إسحاق «الملاحظ المشارك» — ليس لأنه يتبنّى الإسلام، بل لأنه يتبنّى حساسية صديقه المسلم تجاه القرآن. يعتبر أن جمال القرآن ظاهر في عيون محبّيه، وإذا كان هؤلاء يعتبرونه كلام الله فليُقبل بهذه الصفة.

هذا الصنف يعاني من الجانبين: يتّهمه غير المسلمين بالقرب الزائد من المسلمين، ويتّهمه بعض المسلمين بمودة غير المسلمين.

الصنف الخامس: المراقب المشكّك

لا يشعر بأي مسؤولية تجاه مشاعر المحبّ، ولا يهتم إلا بملاحظة القرآن والبحث في الوقائع المتعلقة به. يقدّم نفسه كباحث غير معنيّ بإثبات أو نفي المصدر الإلهي للقرآن، لكنه لا يتوانى في اتهامه بأنه مجرد نسخة مطوّرة من التراث اليهودي المسيحي.

يرى فريد إسحاق أن هذا الصنف المتلصّص لا يلقى ترحيبًا من الأصناف الأربعة السابقة — لأنه من المعروف أن الحياد في البحث المعرفي غير ممكن، وما من بحث بريء تمامًا.

الصنف السادس: الجدلي المعادي

متعلّق بمحبوبة أخرى — كالإنجيل أو الإلحاد مثلًا. ولأنه قلِقٌ من ازدياد أتباع القرآن ومحبّيه، يحاول إثبات بشريته وأنه لا يتميّز عن غيره من التجارب الإنسانية. وإذا عجز عن تحويل المسلم عن إسلامه، اتجه إلى التشهير وإطلاق صيحات الفزع من خطر تعلّق المسلمين بالقرآن. وكلما رأى سلوكًا خاطئًا من بعض المسلمين سارع إلى اتهام القرآن: «أليس القرآن هو الذي يدعوهم للقتل؟ أليس القرآن هو الذي يُذلّ المرأة؟»

خلاصة

تقسيم فريد إسحاق — المحبّ بلا نقد، المحبّ العالِم، المحبّ الناقد، صديق المحبّ، المراقب المشكّك، الجدلي المعادي — يمثّل محور كتابه القرآن: دليل الاستعمال، حيث فصّل في ستة فصول تحليلًا جديرًا بالقراءة والتأمل، وإن كان من الممكن الاختلاف معه في بعض التفاصيل.

ما يميّز هذا التصنيف هو أنه لا يكتفي بالنظر في المسلمين وحدهم، بل يضع القرآن في سياق علاقاته مع العالم كله — وهذا منظور نحتاجه لفهم موقع القرآن في عالمنا المعاصر.