“إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق.” بهذه الجملة الوحيدة، لخّص النبي صلى الله عليه وسلم الغاية من رسالته كلّها. لم يقل: بُعثت لأقيم دولة، أو لأفرض نظامًا سياسيًّا، أو لأنشئ حضارة مادية. قال: بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق.
التعاليم الإسلامية كنظام أخلاقي
تشكّل تعاليم الإسلام في مجموعها نظامًا أخلاقيًّا يعيشه الإنسان في نفسه ومع الناس من حوله. وحين نستقرئ القرآن نجد أن كل رسالات الأنبياء تمحورت حول هذا النظام: حين تنتظم حياة الناس في إطار يحترم فيه الإنسان الإنسان، ويرحم فيه الإنسان الإنسان، ويعمل من أجل أن يقضي حاجات الآخرين ويتحمّل مسؤولياتهم — هذا هو الذي يبني الحياة.
الأنبياء: نماذج السموّ الأخلاقي
حين ندرس قصص الأنبياء وعلاقتهم بأقوامهم التي تمرّدت عليهم وسخرت منهم وحاربتهم، نلاحظ أنهم مثّلوا أعلى درجات السموّ الأخلاقي. النبيّ منهم حين كان ينزل العذاب على الأمّة التي تمرّدت عليه، لم يكن يقف شامتًا بل حزينًا متألّمًا: ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: 79]. وقول عيسى عليه السلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118].
محمّد صلى الله عليه وسلم: حين يغلب الوصف على الاسم
لم يتحدّث الله عن نبيّ في صفته الأخلاقية كما تحدّث عن محمد: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. لم يكتفِ بالمدح بل وصف هذا الخلق بالعظمة.
ولعلّ أبلغ دليل على مركزية الخلق في شخصيته أن قريشًا المشركين، قبل البعثة، لم يكونوا يقولون “جاء محمد وذهب محمد”، بل “جاء الصادق الأمين وذهب الصادق الأمين.” غلبت صفته الأخلاقية على اسمه.
وفي الصحيح قال أنس بن مالك: “كان رسول الله أحسن الناس خلقًا” (البخاري ومسلم). وقال أيضًا: “خدمت رسول الله عشر سنين، فما قال لي قطّ: أفّ، ولا قال لشيء فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلت كذا؟”
عشر سنوات من الخدمة اليومية، بلا عتاب واحد. هذا ليس مجرّد حُسن خلق، بل نموذج إنساني استثنائي في إدارة العلاقات.
الخلق أثقل من العبادة
الأحاديث في هذا المعنى كثيرة ومتقاطعة:
- “ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق” (الترمذي عن أبي الدرداء).
- أكثر ما يُدخل الناس الجنة: “تقوى الله وحسن الخلق”، وأكثر ما يُدخلهم النار: “الفم والفرج” (الترمذي عن أبي هريرة).
- “أنا زعيم لبيت في أعلى الجنة لمن حسّن خلقه” (أبو داود عن أبي أمامة).
- “ألا أنبّئكم بخياركم؟ أحاسنكم أخلاقًا، الموطّئون أكنافًا، الذين يألفون ويُؤلفون.”
وفي رواية صحّحها الألباني: “إن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة.” أي أن حسن الخلق يوازي في ثقله نوافل الصوم والصلاة.
والفضيل بن عياض قالها بصراحة: “لأن يصحبني فاجر حسن الخلق أحبّ إليّ من أن يصحبني عابد سيّء الخلق.”
تعريفات مكثّفة
حين حاول العلماء تعريف حسن الخلق، جاءت كلماتهم مكثّفة ودقيقة:
قال بعضهم: “أن يكون الرجل كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، برًّا وصولًا، وقورًا صبورًا، حليمًا رفيقًا عفيفًا شفيقًا، لا لعّانًا ولا سبّابًا ولا نمّامًا ولا مغتابًا، ولا عجولًا ولا حقودًا ولا بخيلًا ولا حسودًا.”
وابن المبارك اختصرها في ثلاث: “طلاقة الوجه، وبذل المعروف، وكفّ الأذى.”
والحسن البصري في ثلاث مماثلة: “بسط الوجه، وبذل الندى، وكفّ الأذى.”
خلاصة: الأخلاق ليست ملحقًا بالدين
حين يختزل النبيّ رسالته في جملة “إنما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق”، فهو يقول لنا إن الأخلاق ليست ملحقًا بالدين أو فرعًا من فروعه، بل هي جوهره. والمجتمع المسلم الحقيقي ليس الذي يكثر فيه المصلّون فحسب، بل الذي تسري فيه المحبة والرحمة والتكافل، سواء اختلف أهله في المذاهب أو الانتماءات أو الجنسيات.
وقد اختصر الله طريق النجاح في سورة العصر: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.