العبادات في الإسلام وسائل لتقوية الإيمان وتنميته في النفس البشرية، حتى يولد الإنسان الجديد الذي يُناط به حمل الرسالة الخاتمة فيكون وجوده رحمة للعالمين. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾. والعبادات بهذا المعنى ضرورية لأنها تصوغ الإنسان المسلم وتطوّر سلوكه وتضمن غلبة دوافع الخير على نوازع الشر، كما تحقق له التوازن وتحصّنه بالقدرة على التحمل والمواجهة.
كل عبادة لها دورها الخاص
لكل عبادة شرعها الله دورها المطلوب في بناء التوازن. لا يمكن أن تترتب على الصلاة الفوائد التي تؤديها الزكاة أو الحج أو الصيام. ولو كان ذلك ممكناً لاستُغني بعبادة عن أخرى. وجودها مجتمعة هو الذي يحقق التوازن المطلوب والوسطية المفروضة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً”.
الصلاة: الرئة الدائمة
الصلاة عمود الدين لا تسقط عن الإنسان إلا بسقوط التكليف. هي التي أدخلت المسلم في تقدير قيمة الوقت كطاقة يجب استثمارها، بعد أن كان إنسان ما قبل الإسلام بلا إحساس بقيمة الزمان. تحديد المواقيت، وأحكام الأداء والقضاء، وتقديم الحساب أمام الخالق خمس مرات يومياً ـ كل ذلك يعني صياغة إنسان جديد بعد أن كان يعيش حياة بلا حدود ولا قيود.
الصلاة كضربات القلب: لا يعني تكرارها تكراراً مرفوضاً، بل هي استمرار الحياة وغذاء الروح. ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾.
الزكاة: تربية النزوع المالي
إذا امتلك الإنسان قدراً من المال، شكّل له طاقة إضافية قد تحمله على الاستغناء ثم الفسوق والطغيان. فلا بد عند هذه الحالة من تربية خاصة لنزوعه المالي. والزكاة لا تنطلق من موقع المِنّة ـ لأن ذلك يخرب الضمير ويُوقع في الكبر عند الغني ويربّي الذل عند الفقير ـ بل من موقع الشعور بالمسؤولية وشكر المنعم ونمو الأخوة والتواضع. سُمّيت صدقة لأنها برهان الصدق: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾.
الصيام: مواجهة عقدة التألّه
الصيام استشعار بالبشرية المحتاجة، ومعالجة لعقدة التألّه التي تتسرب إلى النفوس الضعيفة. هو تربية ميدانية على المشاركة والإحساس بالآخرين والتكافل، من خلال رياضات نفسية تبدأ في داخل النفس وتنتهي في إطار المجتمع. ومن لم يَدَع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
الحج: العودة إلى الجذور
الحج عبادة لها مدلول فريد لا بد أن يستشعره المسلم ولو مرة واحدة في العمر. إنه الحياة على أرض النبوة الأولى، والطواف حول أول بيت وُضع للناس: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾. إنه الحضور التاريخي واستحضار التاريخ والرؤية لآيات النبوة، من إبراهيم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾.
كل حبة رمل على تلك الأرض تحمل العِبر وتنطق بتاريخ لا بد من معايشته. هنا يسمع المسلم الإيقاع الروحي للتاريخ البشري ويرى التلاحم بين النبوات الأولى والنبوة الخاتمة: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.
الحج: ولادة جديدة
هذا الاستحضار التاريخي يشحذ روح الأمة ويُعيد لها الفاعلية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من حجّ لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”. إنه استرداد الماضي بكل ما فيه، وحضور للحظة يكون فيها الإنسان قادراً على الإلغاء والإبقاء: إلغاء ما لا ينسجم مع متطلبات الإسلام بالتوبة، والعزم الصادق على أرض الصدق في ظل الوحي على ولادة جديدة.
الطواف بعكس عقارب الساعة لا يعني إلغاء الحاضر أو اغتيال المستقبل أو الانحباس في الماضي. إنه الحضور التاريخي الكامل: استحضار الماضي وقراءة صفحاته ووقفة لمراجعة الحساب قبل فوات الأوان.
الحج هجرة على محور الزمن
إنه عودة إلى الجذور تبدأ بخلع المَخيط: التجرّد في الشكل إلى جانب التجرّد في المضمون. الحج لون من ألوان الهجرة، ولعله نوع هجرة لمسلم اليوم. إذا عاد المسلم وقد هجر ما نهى الله عنه فقد رجع كيوم ولدته أمه. أما إذا ذهب بأثقاله وعاد بها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.